لاس فيجاس - 6 يناير 2026
قبل شهر واحد بالضبط، كتبنا في EcoPulse24 مقالاً تحليلياً عن AMD كـ**"العملاق النائم"** الذي يستعد للاستيقاظ ومنافسة إنفيديا بجدية في سوق الذكاء الاصطناعي. اليوم، في معرض CES 2026 في لاس فيجاس، تحققت توقعاتنا بشكل أكثر دراماتيكية مما توقعنا، حيث وقفت ليزا سو، الرئيسة التنفيذية لشركة AMD، على منصة الكلمة الافتتاحية للمعرض - بعد ساعات قليلة فقط من عرض جنسن هوانج التقديمي لمنصة Rubin من إنفيديا - لتعلن بجرأة غير مسبوقة أن AMD تمتلك "أفضل رف ذكاء اصطناعي في العالم".
لم تكن كلمات سو مجرد خطاب تسويقي، بل كانت إعلان حرب مباشر على إنفيديا. فبينما كشف هوانج صباح أمس عن منصة Vera Rubin NVL72 التي تضم 72 معالج رسومات من Rubin، ردت سو في المساء بكشف النقاب عن نظام Helios الضخم - وهو رف مراكز بيانات عملاق بعرض مزدوج يزن 7,000 رطل (أكثر من وزن سيارتين مدمجتين) ويضم 72 معالجاً من AMD MI455X، في مواجهة رقمية مباشرة لعرض إنفيديا، وفقاً لما نقله موقع Yahoo Finance. بل ذهبت سو إلى أبعد من ذلك بإحضار الوحدة الفعلية من Helios إلى المنصة، في مشهد مسرحي يشبه تحدي الملاكمين قبل النزال الكبير.
وقالت سو للحضور: "Helios هو وحش من الأرفف، هذا ليس رفاً عادياً. إنه تصميم بعرض مزدوج قائم على معيار OCP Open Rack Wide المطور بالتعاون مع ميتا". ثم أضافت بفخر واضح: "أردنا أن نريكم ما هي القوة الحقيقية في كل هذا الذكاء الاصطناعي، إنه في الواقع أكثر من سيارتين مدمجتين". هذا التصريح لم يكن مجرد وصف تقني، بل رسالة واضحة لإنفيديا: AMD لم تعد تلعب دور التابع، بل أصبحت منافساً ند لند.
لكن القنبلة الأكبر التي أسقطتها ليزا سو جاءت عندما تحدثت عن معالجات MI500 Series المقرر إطلاقها في عام 2027، حيث أعلنت بثقة أن هذه المعالجات - المبنية على معمارية CDNA 6 باستخدام ذاكرة HBM4E وتقنية تصنيع 2 نانومتر - ستحقق قفزة أداء بمقدار 1,000 ضعف مقارنة بمعالجات MI300X القديمة على مدى أربع سنوات، وفقاً لموقع Tom's Hardware. هذا الرقم - 1000 ضعف - ليس مجرد تحسين تدريجي، بل قفزة كوانتية تضع AMD في موقع يمكنها من التنافس على تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الأضخم والأكثر تطوراً في العالم.
صفقات بالمليارات مع عمالقة التكنولوجيا
النجاح الذي تحققه AMD اليوم ليس مبنياً على الوعود فقط، بل على صفقات ملموسة بمليارات الدولارات مع أكبر شركات التكنولوجيا في العالم. تتصدر القائمة صفقة أكتوبر 2025 مع OpenAI - صانعة ChatGPT - والتي ستضيف مليارات الدولارات سنوياً إلى إيرادات AMD، مع بدء النشر الأول لمعالجات MI400 Series خلال عام 2026. هذه الصفقة لا تمثل قيمة مالية فقط، بل تصويت ثقة من أحد أهم لاعبي الذكاء الاصطناعي في العالم.
ميتا (Meta) تأتي في المرتبة الثانية، حيث تعاونت بشكل وثيق مع AMD على تطوير نظام Helios القائم على معيار OCP Open Rack Wide، وتستخدم معالجات AMD Instinct في مراكز بياناتها الضخمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي التي تدعم فيسبوك وإنستغرام وواتساب. مايكروسوفت (Microsoft) أيضاً من الشركاء الرئيسيين، حيث تستخدم معالجات AMD في خدمات Azure السحابية ومنصات الذكاء الاصطناعي، وتعتمد على معمارية AMD في تشغيل نماذج لغوية ضخمة.
أمازون (Amazon Web Services) وقعت صفقات متعددة لاستخدام معالجات AMD Instinct في خدماتها السحابية، مما يجعل قدرات الذكاء الاصطناعي من AMD متاحة لملايين الشركات حول العالم. وأخيراً، أوراكل (Oracle) اعتمدت معالجات AMD في بنيتها التحتية السحابية لتقديم خدمات ذكاء اصطناعي للشركات الكبرى. هذه الصفقات الخمس الكبرى تشكل معاً ما يمكن وصفه بـ"التحالف الاستراتيجي" الذي يضع AMD في قلب الثورة الصناعية الرابعة.
التوسع في منطقة الخليج العربي
لم تغفل AMD عن أهمية منطقة الخليج العربي كسوق استراتيجي ومركز ناشئ للذكاء الاصطناعي. في المملكة العربية السعودية، وقعت AMD في سبتمبر 2025 اتفاقية شراكة مع NEOM لتزويد المدينة المستقبلية بحلول ذكاء اصطناعي متقدمة تدعم المباني الذكية والبنية التحتية الرقمية. كما أعلنت الشركة في نوفمبر 2025 عن شراكة مع أرامكو السعودية لتطوير مركز بيانات متطور في الظهران يستخدم معالجات AMD Instinct لأبحاث الطاقة والجيولوجيا بالذكاء الاصطناعي.
في الإمارات العربية المتحدة، وقعت AMD مذكرة تفاهم مع مجموعة G42 في أبوظبي في أغسطس 2025 لتوريد معالجات ذكاء اصطناعي بقيمة تتجاوز 500 مليون دولار على مدى ثلاث سنوات، لدعم مشاريع الذكاء الاصطناعي الحكومية والخاصة في الإمارات. كما أعلنت AMD عن شراكة مع جامعة خليفة لإنشاء مختبر أبحاث متخصص في الذكاء الاصطناعي وتدريب الكوادر الإماراتية على أحدث التقنيات.
في قطر، بدأت AMD في ديسمبر 2025 العمل مع مؤسسة قطر لتوفير بنية تحتية حاسوبية لمشاريع البحث العلمي في المدينة التعليمية، مع التركيز على أبحاث الطب والبيئة بدعم من الذكاء الاصطناعي. هذا التوسع الخليجي يعكس استراتيجية AMD طويلة المدى للاستفادة من الاستثمارات الضخمة التي تضخها دول الخليج في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
5 أسئلة مهمة يطرحها المستثمرون والمتابعون
1. ما هو سعر سهم AMD حالياً وهل يستحق الاستثمار؟
يتداول سهم AMD حالياً عند مستوى 227.02 دولار (إغلاق 3 يناير 2026)، بعد ارتفاع بنسبة 76% خلال الاثني عشر شهراً الماضية، متفوقاً على إنفيديا التي ارتفعت 30% فقط. القيمة السوقية للشركة تبلغ 359 مليار دولار. المحللون في Goldman Sachs وMorgan Stanley يرون أن السهم لا يزال أقل من قيمته العادلة نظراً للصفقات الضخمة والنمو المتوقع في 2026-2027، مع توقعات بوصول السهم إلى 280-300 دولار خلال 12 شهراً.
2. كيف تقارن معالجات AMD مع إنفيديا من حيث الأداء والسعر؟
معالجات AMD Instinct MI455X تقدم أداءً قريباً جداً من معالجات Nvidia H100، لكن بسعر أقل بنسبة 20-30% تقريباً. نظام Helios من AMD يضاهي Vera Rubin NVL72 من إنفيديا في الأداء (72 معالج لكل منهما)، لكن AMD تراهن على ميزة السعر وسهولة التكامل. المعالجات القادمة MI500 (2027) تعد بقفزة 1000 ضعف، لكن يجب الانتظار لتأكيد هذه الأرقام عملياً.
3. ما هي أبرز التحديات التي تواجه AMD في منافسة إنفيديا؟
التحدي الأكبر هو النظام البيئي للبرمجيات: CUDA من إنفيديا أصبح معياراً صناعياً ولديه ملايين المطورين، بينما ROCm من AMD لا يزال أقل نضجاً. التحدي الثاني هو سلسلة التوريد: إنفيديا لديها أولوية أعلى مع TSMC لتصنيع الشرائح. التحدي الثالث هو ثقة السوق: كثير من الشركات لا تزال تفضل إنفيديا كـ"خيار آمن" رغم ارتفاع الأسعار.
4. متى ستتوفر المنتجات الجديدة التي أعلنت عنها AMD في CES 2026؟
معالجات Ryzen AI 400 Series للكمبيوترات الشخصية ستبدأ الشحن في نهاية يناير 2026، مع أكثر من 120 تصميم خلال العام. نظام Helios بمعالجات MI455X متاح للطلب الآن للعملاء الكبار مع بدء الشحن في Q2 2026. معالجات MI500 Series القادمة لن تصل قبل 2027. معالج Ryzen 7 9850X3D للألعاب سيتوفر في Q1 2026.
5. هل تشكل AMD تهديداً حقيقياً لهيمنة إنفيديا في الذكاء الاصطناعي؟
الإجابة: نعم، لكن تدريجياً. إنفيديا لا تزال تسيطر على 80-85% من سوق معالجات الذكاء الاصطناعي، لكن AMD بدأت في تقليص هذه الفجوة بفضل صفقات OpenAI وMeta ومايكروسوفت. خلال 2-3 سنوات، يتوقع المحللون أن تصل حصة AMD إلى 20-25% من السوق، خاصة إذا نجحت في تحسين ROCm وتقديم MI500 كما وعدت. السوق ضخم بما يكفي لنجاح كلا الشركتين، لكن المنافسة ستحفز الابتكار وتخفض الأسعار.
المثير أن سو لم تكتف بالأرقام والمواصفات التقنية، بل أحضرت على المنصة مجموعة من الضيوف البارزين لدعم رسالتها. كان من بينهم جريج بروكمان، الرئيس والمؤسس المشارك لـ OpenAI، الذي أكد أن الطلب على القدرة الحاسوبية في OpenAI يتضاعف ثلاث مرات كل عام، وأن هذا النمو سيستمر. وعندما سألته سو بصراحة: "هل الطلب موجود فعلاً؟"، أجاب بروكمان أن نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي سيكون مرتبطاً بكمية القدرة الحاسوبية المتاحة. كما ظهرت د. فاي فاي لي، المؤسسة المشاركة لـ World Labs وواحدة من أكثر الباحثين تأثيراً في مجال الذكاء الاصطناعي، لتعرض تقنية Marble التي تخلق عوالم ثلاثية الأبعاد تطيع قوانين الفيزياء.
ولم تنس سو الإشارة إلى أن AMD توقع 5 مليارات شخص سيستخدمون الذكاء الاصطناعي يومياً خلال السنوات الخمس المقبلة، وأن تلبية هذا الطلب تتطلب زيادة القدرة الحاسوبية العالمية 100 ضعف في السنوات المقبلة، وفقاً لموقع TechCrunch. هذه الأرقام الفلكية تفسر سبب المعركة الشرسة بين AMD وإنفيديا: السوق ضخم والفرصة التاريخية لمن يستطيع توفير القدرة الحاسوبية اللازمة.
ما يميز ليزا سو في قيادتها لـ AMD هو أسلوبها الجريء والمباشر. فبينما يميل معظم المديرين التنفيذيين للشركات التقنية إلى تجنب المواجهة المباشرة مع المنافسين، تبنت سو استراتيجية مختلفة تماماً في CES 2026: المواجهة وجهاً لوجه مع جنسن هوانج على نفس المنصة وفي نفس اليوم. هذه الجرأة لم تأت من فراغ، بل من ثقة مبنية على إنجازات ملموسة تراكمت على مدى السنوات الثلاث الماضية.
وفي ختام كلمتها التي استمرت ساعتين كاملتين - بنفس مدة عرض هوانج تماماً - قالت سو: "هذه اللحظة في عالم التكنولوجيا لا تبدو مختلفة فقط، بل الذكاء الاصطناعي مختلف فعلاً. الذكاء الاصطناعي هو أقوى تكنولوجيا تم إنشاؤها على الإطلاق، ويمكن أن تكون في كل مكان للجميع". هذا التصريح يلخص رؤية AMD: ليس مجرد منافسة إنفيديا في مراكز البيانات الضخمة، بل نشر الذكاء الاصطناعي في كل جهاز وفي كل مكان.
الخلاصة: ما كتبناه قبل شهر عن "العملاق النائم" لم يكن مجرد توقع، بل كان قراءة دقيقة لما كانت تحضره ليزا سو وفريقها خلف الكواليس. اليوم في CES 2026، العملاق استيقظ فعلاً، وهو لا يخطو خطوات خجولة بل يركض بأقصى سرعة نحو قمة سوق الذكاء الاصطناعي. مع صفقات بمليارات الدولارات، وشراكات استراتيجية في الخليج، ومعالجات تعد بقفزات أداء غير مسبوقة، السؤال الآن ليس "هل ستنافس AMD إنفيديا؟" بل "متى ستصبح AMD اللاعب الأول في السوق؟"