الاتحاد الأوروبي يستعد للرد بـ93 مليار يورو رسوماً جمركية على أمريكا بسبب غرينلاند
الاتحاد الأوروبي يهدد برسوم 93 مليار يورو على أمريكا رداً على تعريفات ترامب بسبب غرينلاند، وتصاعد التوترات التجارية بين الجانبين.
بروكسل - EcoPulse24
في تصعيد غير مسبوق للتوترات التجارية عبر الأطلسي، يستعد الاتحاد الأوروبي لفرض رسوم جمركية انتقامية بقيمة 93 مليار يورو (108 مليارات دولار) على الصادرات الأمريكية، رداً على تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض تعريفات جمركية على ثماني دول أوروبية بسبب موقفها من قضية جزيرة غرينلاند.
تهديدات ترامب: 10% الآن و25% لاحقاً
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم السبت 18 يناير 2026، فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على الصادرات من ثماني دول أوروبية، تشمل الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا، وذلك اعتباراً من 1 فبراير 2026.
وحذر ترامب، عبر منصته "تروث سوشال"، من أن هذه الرسوم قد ترتفع إلى 25% في 1 يونيو 2026 إذا لم يتم التوصل إلى "اتفاق على الشراء الكامل والشامل لغرينلاند"، واصفاً الموقف بأنه يتعلق بـ"سلامة وأمن وبقاء كوكبنا".
الرد الأوروبي: 93 مليار يورو وآلية مكافحة الإكراه
وفقاً لصحيفة "فاينانشيال تايمز"، تدرس عواصم الاتحاد الأوروبي فرض تعريفات جمركية على الواردات الأمريكية بقيمة إجمالية قدرها 93 مليار يورو، أو تقييد وصول الشركات الأمريكية إلى السوق الأوروبية الموحدة.
وكانت هذه الحزمة من الرسوم الجمركية قد وُضعت في الأصل عام 2025، لكن تم تعليق تنفيذها حتى 6 فبراير 2026 لتجنب حرب تجارية شاملة. والآن، مع تصاعد التهديدات الأمريكية، بات الاتحاد الأوروبي يستعد لتفعيلها.
آلية مكافحة الإكراه الاقتصادي
إلى جانب الرسوم الجمركية، يدرس الاتحاد الأوروبي تفعيل "آلية مكافحة الإكراه الاقتصادي" (Anti-Coercion Instrument) لأول مرة منذ إقرارها في يونيو 2023. هذه الأداة تسمح للاتحاد بالرد على أي دولة تستخدم إجراءات تجارية للضغط على إحدى الدول الأعضاء الـ27.
وتشمل الإجراءات المحتملة:
- تقييد وصول الشركات الأمريكية إلى سوق المشتريات العامة الأوروبية
- منع استثمارات أمريكية معينة في الاتحاد الأوروبي
- فرض قيود على تراخيص التصدير للشركات الأمريكية
وصُممت هذه الآلية لمواجهة ما وصفه الاتحاد الأوروبي بـ"الإكراه الاقتصادي"، والذي يتحقق عندما تقوم دولة ثالثة بـ"تطبيق أو التهديد بتطبيق إجراء يؤثر على التجارة أو الاستثمارات" بهدف التدخل "في الخيارات السيادية المشروعة للاتحاد الأوروبي أو لإحدى الدول الأعضاء".
قمة أوروبية طارئة خلال أيام
أعلن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، يوم الأحد، الدعوة إلى اجتماع طارئ للمجلس الأوروبي خلال الأيام المقبلة، ويُرجح أن يُعقد يوم الخميس في بروكسل، لتنسيق الرد الأوروبي الموحد.
وكتب كوستا عبر منصة إكس: "نظراً لأهمية التطورات الراهنة وبهدف التنسيق بشكل أكبر، قررت الدعوة إلى اجتماع طارئ للمجلس الأوروبي خلال الأيام المقبلة".
كما عقد سفراء الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي اجتماعاً استثنائياً يوم الأحد في بروكسل، توصلوا خلاله إلى اتفاق على تكثيف الجهود الرامية إلى ثني الرئيس ترامب عن فرض الرسوم الجمركية، مع الاستعداد لاتخاذ إجراءات مضادة في حال دخولها حيز التنفيذ.
ردود فعل القادة الأوروبيين
فرنسا: "لن نخضع للترهيب"
قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في منشور على منصة إكس: "التهديدات بفرض رسوم جمركية غير مقبولة ولا مكان لها في هذا السياق"، مضيفاً: "لن يؤثر علينا أي ترهيب أو تهديد، سواء في أوكرانيا أو في غرينلاند أو في أي مكان آخر في العالم".
وحث ماكرون، خلال المحادثات الطارئة في بروكسل، الدول الأعضاء على تفعيل آلية مكافحة الإكراه التجاري لتقييد وصول الشركات الأمريكية إلى السوق الموحدة.
بريطانيا: "فرض تعريفات على الحلفاء أمر خاطئ"
قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر: "إن فرض تعريفات جمركية على الحلفاء بسبب سعيهم لتحقيق الأمن الجماعي لحلفاء الناتو أمر خاطئ تماماً".
وأصدرت بريطانيا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وهولندا والنرويج والسويد بياناً مشتركاً يوم الأحد، جاء فيه: "التهديدات بفرض رسوم جمركية تقوض العلاقات عبر الأطلسي وتنذر بتدهور خطير".
ألمانيا: "سنتخذ القرار المناسب"
قالت الحكومة الألمانية في بيان رسمي: "سنتخذ القرار المناسب رداً على فرض ترامب للرسوم الجمركية"، مؤكدة أنها ستعمل بالتنسيق مع دول الاتحاد الأوروبي لضمان حماية المصالح المشتركة.
كما قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إنه "لا بد من رد أوروبي إذا كانت واشنطن تفكر بجدية في فرض رسوم جمركية"، مشدداً على أن "سيادة الدنمارك وغرينلاند لا تتزعزع".
السويد: "لن نخضع للترهيب"
أكد رئيس الحكومة السويدية أولف كريسترسون أن بلاده "لن تخضع للترهيب"، مؤكداً أنه "سيدافع دائماً عن بلاده وعن جيرانها الحلفاء". وأضاف: "تجري السويد حالياً مناقشات مكثفة مع دول الاتحاد الأوروبي الأخرى والنرويج والمملكة المتحدة لإيجاد رد مشترك".
المفوضية الأوروبية
قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين: "إن السلامة الإقليمية والسيادة مبادئ أساسية في القانون الدولي"، مضيفة: "إن فرض التعريفات الجمركية سيقوّض العلاقات عبر الأطلسي، ويخاطر بالانزلاق نحو منعطف خطير".
البرلمان الأوروبي: تعليق اتفاقية التجارة
أعلنت الكتل السياسية الرئيسية الثلاث في البرلمان الأوروبي أنها ستعلق تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي التي تم التوصل إليها في يوليو 2025.
وقال مانفريد ويبر، رئيس حزب الشعب الأوروبي (أكبر كتلة في البرلمان)، في منشور على منصة إكس: "إن حزب الشعب الأوروبي يؤيد اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ولكن بالنظر إلى تهديدات دونالد ترامب بشأن غرينلاند، فإن الموافقة عليها غير ممكنة في هذه المرحلة".
التأثير الاقتصادي المحتمل
على الصناعات البريطانية
حذرت صناعة السيارات البريطانية، التي تبلغ قيمة صادراتها إلى الولايات المتحدة 11.5 مليار يورو وتُعد أكبر صادرات البلاد الأمريكية، من احتمال فقدان آلاف الوظائف في حال تطبيق الرسوم الجمركية.
على الشركات الأوروبية
وفقاً لتقرير "فاينانشيال تايمز"، فإن أي خطوة اقتصادية تتخذها أوروبا لعقاب الولايات المتحدة ستكون لها تكاليف على الشركات الأوروبية أيضاً. على سبيل المثال، فرض رسوم جمركية على الغاز المسال الأمريكي سيضر الشركات الأوروبية، خاصة الألمانية التي باتت تعتمد بشكل كبير على الغاز الأمريكي بعد انقطاع إمدادات الغاز الروسي.
على العلاقات عبر الأطلسي
وصفت صحيفة "فاينانشيال تايمز" هذه الأزمة بأنها "أخطر أزمة في العلاقات عبر الأطلسي منذ عقود"، محذرة من أن التصعيد المستمر قد يؤدي إلى قطيعة داخل التحالف العسكري الغربي (الناتو)، وهو ما قد يشكل تهديداً وجودياً لأمن القارة الأوروبية.
خلفية الأزمة: لماذا غرينلاند؟
غرينلاند هي أكبر جزيرة في العالم من حيث المساحة، وتُعد إقليماً ذا حكم ذاتي واسع يتبع المملكة الدنماركية. وتحظى الجزيرة بأهمية استراتيجية كبيرة لعدة أسباب:
-
الموقع الجغرافي: تقع بين قارة أمريكا الشمالية والمنطقة القطبية الشمالية، مما يجعلها موقعاً مثالياً لأنظمة الإنذار المبكر في حالة هجمات صاروخية، ولمراقبة السفن في المنطقة.
-
الموارد الطبيعية: تحتوي الجزيرة على ثروات معدنية هائلة، بما في ذلك المعادن النادرة الضرورية لصناعة التكنولوجيا المتقدمة.
-
التنافس الجيوسياسي: تزايد النشاط الصيني والروسي في منطقة القطب الشمالي يثير مخاوف أمريكية بشأن النفوذ الاستراتيجي في المنطقة.
-
القواعد العسكرية: تستضيف غرينلاند قاعدة "ثول" الجوية الأمريكية منذ الحرب الباردة، وهي جزء من نظام الدفاع الصاروخي الأمريكي.
التطورات العسكرية
أرسلت الدول الأوروبية الثمانية المستهدفة بالرسوم الجمركية (فرنسا، ألمانيا، السويد، النرويج، فنلندا، هولندا، بريطانيا، والدنمارك) قوات صغيرة إلى غرينلاند هذا الأسبوع للمشاركة في مناورة عسكرية استطلاعية منسقة مع الدنمارك ضمن إطار حلف الناتو.
واعتبر ترامب هذه الخطوة "لعبة خطيرة للغاية"، وقال إن هذه الدول تلعب بالنار.
الموقف الدنماركي والغرينلاندي
أكد المسؤولون الدنماركيون والغرينلانديون مراراً وتكراراً أن غرينلاند ليست للبيع. وخرج آلاف الأشخاص في مظاهرات في غرينلاند والدنمارك يوم السبت، احتجاجاً على محاولة الاستحواذ الأمريكية المقترحة.
وقالت الحكومة الدنماركية إنها تتوقع "احترام سلامة أراضيها"، مشددة على أن مستقبل غرينلاند يقرره شعبها.
لقاءات دافوس: آخر فرصة للحل الدبلوماسي؟
تُصمَّم الإجراءات المضادة الأوروبية لمنح القادة الأوروبيين أوراق ضغط خلال لقاءاتهم الحاسمة مع الرئيس ترامب على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا الأسبوع (20-24 يناير 2026).
ويأمل القادة الأوروبيون في التوصل إلى تسوية دبلوماسية تجنب حدوث حرب تجارية شاملة، والتي قد تؤدي إلى قطيعة في التحالف الغربي وتهديد وجودي لأمن القارة الأوروبية.
وقال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا: "إن الاتحاد الأوروبي سيظل دائماً حازماً جداً في الدفاع عن القانون الدولي"، مضيفاً أن الاتحاد "سيبحث بشكل مشترك الرد على التهديدات مع مواصلة الانخراط بشكل بنّاء مع الولايات المتحدة".
الجدول الزمني للأزمة
| التاريخ | الحدث |
|---|---|
| يوليو 2025 | التوصل لاتفاقية تجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة |
| أغسطس 2025 | الاتحاد الأوروبي يُعلق رسوماً جمركية بقيمة 93 مليار يورو لمدة 6 أشهر |
| 16-18 يناير 2026 | ثماني دول أوروبية ترسل قوات إلى غرينلاند ضمن مناورة عسكرية |
| 18 يناير 2026 | ترامب يُعلن فرض رسوم جمركية 10% على الدول الثمانية |
| 19 يناير 2026 | اجتماع طارئ لسفراء الاتحاد الأوروبي في بروكسل |
| 20-24 يناير 2026 | المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس - لقاءات محتملة |
| 1 فبراير 2026 | موعد دخول الرسوم الأمريكية حيز التنفيذ (10%) |
| 6 فبراير 2026 | موعد انتهاء تعليق الرسوم الأوروبية (93 مليار يورو) |
| 1 يونيو 2026 | موعد محتمل لرفع الرسوم الأمريكية إلى 25% |
تحليل: حرب تجارية أم مجرد مناورة تفاوضية؟
يختلف المحللون في تفسير تصعيد ترامب. فبينما يرى البعض أن هذه مجرد مناورة تفاوضية قوية تهدف إلى الحصول على تنازلات أوروبية في ملفات أخرى (مثل زيادة الإنفاق الدفاعي في الناتو، أو تحسين الشروط التجارية)، يحذر آخرون من أن الولايات المتحدة تحت قيادة ترامب قد تكون جادة في إعادة تشكيل العلاقات عبر الأطلسي بشكل جذري.
ويُذكر أن ترامب استخدم خلال ولايته الأولى (2017-2021) سلاح الرسوم الجمركية على نطاق واسع، بما في ذلك ضد حلفاء تقليديين، واصفاً ذلك بأنه ضروري لتحقيق "عدالة تجارية" لصالح الشركات الأمريكية.
أما في ولايته الثانية، فقد بات ترامب يستخدم القيود التجارية بشكل أكثر جرأة في العلاقات الدولية، حتى مع الشركاء التقليديين لواشنطن.
الموقف الروسي
قال المتحدث باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف: "نلاحظ وضعاً متناقضاً للغاية، ننطلق من مبدأ أن غرينلاند هي أرض تابعة لمملكة الدنمارك". وأضاف أن موسكو سمعت تصريحات من الدنمارك وغرينلاند تفيد بأن "غرينلاند لا تنوي بيع نفسها لأحد".
الموقف الأمريكي
قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، يوم الأحد، إن "الضعف" الأوروبي يجعل من سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند أمراً ضرورياً من أجل الاستقرار العالمي.
وأكد ترامب في تصريحاته أن "سلامة وأمن وبقاء كوكبنا" على المحك، وأن السيطرة على غرينلاند تُعد عنصراً حاسماً في منظومة الأمن القومي الأمريكي.
النظرة المستقبلية
تقف العلاقات عبر الأطلسي على مفترق طرق حاسم. فإما أن تنجح الدبلوماسية في دافوس والقمة الأوروبية المرتقبة في التوصل إلى تسوية تحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف، أو أن العالم يشهد أخطر حرب تجارية بين الحلفاء التقليديين منذ عقود، مع تداعيات قد تطال الأمن والاستقرار الدوليين بأسرهما.
والسؤال الذي يطرحه المراقبون: هل سيُضطر الاتحاد الأوروبي فعلاً لتفعيل رسومه الجمركية البالغة 93 مليار يورو في 6 فبراير، أم أن التهديد وحده سيكون كافياً لإجبار ترامب على التراجع؟
الأسابيع القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية بين أقوى تحالفين في العالم.
المصادر والمراجع
ملاحظة تحريرية
تنبيه مهم
يرجى الاطلاع على الشروط والأحكام.
© 2025 EcoPulse24. جميع الحقوق محفوظة.