كارني يؤكد التزام كندا بـ USMCA ردًا على تهديدات ترامب بتعريفة 100% بسبب الاتفاق الصيني
كارني يؤكد التزام كندا بـUSMCA وينفي نية اتفاق شامل مع الصين رغم تهديد ترامب بتعريفة 100%، وسط تصاعد التوترات التجارية.
رئيس الوزراء الكندي يواجه عاصفة دبلوماسية بعد أسبوع من التقلبات في العلاقة مع واشنطن
أوتاوا - EcoPulse24
في محاولة لاحتواء أزمة دبلوماسية متصاعدة مع واشنطن، أكد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الأحد، أن بلاده "تحترم التزاماتها والتعهدات" بموجب اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (USMCA)، نافيًا أي نية لتوقيع اتفاقيات تجارة حرة مع اقتصادات غير سوقية، في إشارة مباشرة إلى الصين.
جاء تصريح كارني ردًا على تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض تعريفة جمركية بنسبة 100% على جميع الواردات الكندية إذا أبرمت أوتاوا اتفاقية تجارية شاملة مع بكين، في تطور درامي يكشف هشاشة العلاقات بين أقرب حليفين تقليديين، ويلقي بظلال من الشك على مستقبل التكامل الاقتصادي لأمريكا الشمالية.
تناقض ترامب: من التأييد إلى التهديد في أسبوع واحد
تكشف الأزمة الحالية عن نمط متكرر في تعامل إدارة ترامب مع حلفائها: التقلب السريع بين المواقف والاستخدام المكثف للضغوط الاقتصادية كأداة سياسية.
في 16 يناير، عندما أعلن كارني عن اتفاق تجاري أولي مع الصين خلال زيارته التاريخية لبكين - الأولى لرئيس وزراء كندي منذ 2017 - أبدى ترامب تأييدًا واضحًا للخطوة. قال الرئيس الأمريكي للصحفيين في البيت الأبيض: "هذا ما يجب أن يفعله. إنه شيء جيد أن يوقع اتفاقية تجارية. إذا استطعت الحصول على صفقة مع الصين، يجب أن تفعل ذلك".
لكن الموقف انقلب 180 درجة يوم السبت 24 يناير، عندما نشر ترامب تهديدًا حادًا عبر منصته Truth Social، متهمًا كارني - الذي أطلق عليه لقب "الحاكم كارني" تقليلاً من شأن منصبه - بمحاولة تحويل كندا إلى "ميناء إسقاط" للبضائع الصينية المتجهة إلى السوق الأمريكية.
وكتب ترامب: "إذا عقدت كندا صفقة مع الصين، فسيتم ضربها على الفور بتعريفة جمركية 100% على جميع السلع والمنتجات الكندية القادمة إلى الولايات المتحدة"، مضيفًا بلهجة تحذيرية: "الصين ستلتهم كندا حية، وتلتهمها تمامًا، بما في ذلك تدمير أعمالها ونسيجها الاجتماعي وأسلوب حياتها العام".
خطاب دافوس: الشرارة التي أشعلت النار
السبب المباشر وراء هذا التحول الدراماتي في موقف ترامب يكمن في الخطاب الذي ألقاه كارني أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يوم 22 يناير، والذي اعتبرته واشنطن "صفعة دبلوماسية" موجهة مباشرة لسياسات الإدارة الأمريكية.
في خطاب قوي اللهجة، أعلن كارني أن "النظام الدولي القائم على القواعد قد انتهى"، وأن العالم يشهد "تمزقًا وليس مجرد انتقالاً". ودعا ما أسماه "القوى المتوسطة" - الدول التي تقع بين القوى العظمى والدول الصغيرة - إلى تعميق التعاون لمواجهة "الإكراه الاقتصادي" من القوى الكبرى.
وبدون أن يسمي ترامب صراحةً، انتقد كارني بشدة استخدام "التعريفات الجمركية كوسيلة ضغط، والبنية التحتية المالية كأداة إكراه، وسلاسل التوريد كنقاط ضعف يمكن استغلالها"، في إشارة واضحة لا لبس فيها إلى الحرب التجارية التي يشنها ترامب.
وأضاف في رسالة حازمة: "القوى المتوسطة يجب أن تعمل معًا، لأنه إذا لم تكن على الطاولة، فأنت على قائمة الطعام".
الاتفاق الكندي-الصيني: التفاصيل والدوافع
الاتفاق الذي أبرمه كارني مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين، والذي وصفه بأنه "تاريخي"، يتضمن تبادلاً تجاريًا محدودًا ومضبوطًا:
التزامات كندا:
- السماح باستيراد 49,000 مركبة كهربائية صينية سنويًا بتعريفة جمركية 6.1% فقط، بدلاً من التعريفة الحالية البالغة 100% التي فُرضت في 2024
- زيادة الحصة تدريجيًا لتصل إلى 70,000 مركبة خلال خمس سنوات
- تمديد برنامج الإعفاء الجمركي على منتجات الصلب والألمنيوم الصينية حتى نهاية 2026
التزامات الصين:
- خفض التعريفة على بذور الكانولا الكندية من 84% إلى 15% بحلول 1 مارس 2026
- إلغاء التعريفات على وجبة الكانولا، الكركند، السلطعون، والبازلاء (من مارس حتى نهاية 2026 على الأقل)
- استئناف المفاوضات حول زيت الكانولا ولحم الخنزير
القيمة الاقتصادية:
تشير التقديرات إلى أن الاتفاق سيفتح أسواقًا تبلغ قيمتها:
- 4 مليارات دولار كندي سنويًا من صادرات بذور الكانولا وحدها
- 3 مليارات دولار إجمالي الصادرات الزراعية والبحرية المستفيدة
- استعادة سوق حيوي كان قد أُغلق بسبب حرب التعريفات التي بدأت في 2024
السياق الاستراتيجي: كندا بين نارين
تأتي هذه الأزمة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لكندا، التي تواجه تحديات اقتصادية وجيوسياسية معقدة:
1. مراجعة USMCA الوشيكة
اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (USMCA)، التي دخلت حيز التنفيذ في يوليو 2020، مقرر مراجعتها في يوليو 2026 - أي بعد خمسة أشهر فقط. هذه المراجعة ستحدد مستقبل العلاقة التجارية الأكثر أهمية لكندا، حيث:
- أكثر من 85% من التجارة الكندية-الأمريكية لا تزال معفاة من التعريفات بموجب USMCA
- متوسط التعريفة الأمريكية الفعلية على السلع الكندية يبلغ 5.6% - الأدنى بين جميع الشركاء التجاريين لأمريكا
- حجم التجارة اليومية بين البلدين يتجاوز 3.6 مليار دولار كندي (2.7 مليار دولار أمريكي)
- 60% من واردات النفط الخام الأمريكية تأتي من كندا
- 85% من واردات الكهرباء الأمريكية مصدرها كندا
- كندا هي الوجهة التصديرية الأولى لـ 36 ولاية أمريكية
2. تعريفات القسم 232: الضربة الموجعة
رغم حماية USMCA، فرض ترامب تعريفات قطاعية محددة على كندا بموجب "القسم 232" (الأمن القومي):
- 50% على الصلب والألمنيوم
- 25% على قطاع السيارات في بعض الحالات
- تهديدات متكررة بتعريفات إضافية على الطاقة
هذه التعريفات تضرب قلب الاقتصاد الكندي، خاصة في أونتاريو (صناعة السيارات) وكيبيك (الألمنيوم) وكولومبيا البريطانية (الأخشاب).
3. الاعتماد الاقتصادي الهيكلي
أكثر من 20% من الاقتصاد الكندي يعتمد على الصادرات إلى أمريكا، مما يجعل أي تعريفة - حتى الصغيرة - ذات "تأثير مضاعف هائل" كما يصفها المحللون.
استراتيجية التنويع: رهان كارني الجريء
في مواجهة هذا الواقع، تبنى كارني منذ توليه رئاسة الوزراء في مارس 2025 استراتيجية "التنويع الاقتصادي الاستراتيجي" تهدف إلى:
1. تقليل الاعتماد على السوق الأمريكية
- فتح أسواق جديدة في آسيا وأوروبا
- تعزيز العلاقات مع الصين رغم الخلافات حول حقوق الإنسان
- بناء "جسر تجاري" بين اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ والاتحاد الأوروبي
2. تشكيل تحالفات "القوى المتوسطة"
- التعاون مع دول مثل اليابان، كوريا الجنوبية، أستراليا، ودول أوروبية
- إنشاء "نوادي مشترين" للمعادن الحرجة لتنويع سلاسل الإمداد بعيدًا عن الصين
- قيادة جهود تنسيق سياسات الذكاء الاصطناعي بين الديمقراطيات
3. الاستثمار في الدفاع والأمن
استجابة لمطالب ترامب بـ"تقاسم الأعباء"، التزمت كندا:
- الوصول إلى 2% من الناتج المحلي على الدفاع بحلول مارس 2026
- زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% بحلول 2035
- استثمارات "غير مسبوقة" في الرادارات، الغواصات، والطائرات
4. شراكة استراتيجية مع المكسيك
في سبتمبر 2025، وقع كارني والرئيسة المكسيكية كلاوديا شينباوم "اتفاقية شراكة استراتيجية" لتعميق التعاون الاقتصادي والأمني قبل مراجعة USMCA، في محاولة لتقديم جبهة موحدة أمام الضغوط الأمريكية.
التحليل: لعبة شطرنج متعددة الأبعاد
موقف كارني: الواقعية القيمية
ما يميز نهج كارني هو ما يسميه "الواقعية القيمية" (Value-based Realism) - الاعتراف بالعالم كما هو، وليس كما نتمناه، مع الحفاظ على المبادئ الأساسية.
في خطابه بدافوس، أوضح: "نحن مبدئيون وعمليون في آن واحد - مبدئيون في التزامنا بالقيم الأساسية كالسيادة، وسلامة الأراضي، وحقوق الإنسان؛ وعمليون في إدراك أن التقدم غالبًا ما يكون تدريجيًا، وأن المصالح تتباين، وأن ليس كل شريك سيتشارك جميع قيمنا".
هذا النهج يفسر قبوله التعامل مع الصين رغم الخلافات العميقة حول حقوق الإنسان، والتي كانت سببًا في توتر العلاقات لسنوات (خاصة قضية اعتقال مديرة هواوي منغ وانتشو).
موقف ترامب: الإكراه كاستراتيجية
تكشف هذه الأزمة عن استمرار ترامب في استخدام "الدبلوماسية القسرية" كأداة رئيسية:
- التقلب المتعمد: التأييد ثم التهديد يخلق حالة من عدم اليقين تجعل الشركاء في موقف دفاعي دائم
- التعريفات كسلاح: استخدام الوصول إلى السوق الأمريكية كورقة مساومة لتحقيق أهداف سياسية وأمنية
- التهديدات الوجودية: الحديث المتكرر عن ضم كندا كـ"الولاية 51" لإذلال الحليف وإضعاف موقفه التفاوضي
- الانسحاب من الالتزامات: إلغاء دعوة كارني لـ"مجلس السلام" بعد خطاب دافوس كعقاب رمزي
التناقض الأمريكي الداخلي
ما يعقّد الموقف أن إدارة ترامب نفسها منقسمة:
- الممثل التجاري الأمريكي جيميسون غرير يؤكد أن USMCA حققت نجاحات (زيادة 56% في الصادرات الأمريكية لكندا والمكسيك منذ 2020)
- لكنه يصر على أن "الأهداف الأمريكية الرئيسية لم تتحقق بعد"، مما يبرر المطالبة بتنازلات جديدة
ردود الفعل المحلية: كندا منقسمة
المؤيدون للاتفاق:
- رئيس وزراء ساسكاتشوان سكوت مو (رافق كارني إلى بكين): "يوم إيجابي للغاية للعلاقات الكندية-الصينية وصناعة الزراعة"
- منتجو الكانولا: "كانوا حذرين لكن متفائلين" - السوق الصينية تمثل حياة أو موت لهم
المعارضون:
- رئيس وزراء أونتاريو دوغ فورد: وصف السيارات الكهربائية الصينية بـ"سيارات تجسس مدعومة"، مطالبًا بموقف أقوى
- زعيم المعارضة المحافظ بيير بواليفر: اعتبره "استسلامًا" يعقّد العلاقة الأهم مع أمريكا
- إيرين أوتول (زعيم محافظ سابق): "يجب أن نعيد الالتزام بحل المشاكل مع إدارة ترامب - صفقة الصين ستعقد ذلك"
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: التصعيد المحدود
- ترامب يستخدم التهديد كورقة ضغط فقط
- كندا تقدم تنازلات رمزية (زيادة مشتريات الدفاع، تعديلات على حصة السيارات الكهربائية)
- التوصل لتسوية قبل مراجعة USMCA في يوليو
- الاحتمالية: 40%
السيناريو الثاني: USMCA الزومبي
وفقًا لتحليل Eurasia Group، قد تدخل الاتفاقية حالة "زومبي" - لا حية ولا ميتة:
- لا يتم تجديدها رسميًا ولا إنهاؤها
- الإعفاءات الجمركية تبقى "على قيد الحياة بالكاد"
- تعريفات قطاعية مستمرة كوسيلة ضغط دائمة
- الاحتمالية: 35%
السيناريو الثالث: الطلاق الاقتصادي
- فرض التعريفة 100% فعليًا
- كندا ترد بمثلها
- ركود اقتصادي في كلا البلدين
- إعادة تشكيل جذري لسلاسل الإمداد
- الاحتمالية: 15%
السيناريو الرابع: التحالف الكندي-المكسيكي
- كندا والمكسيك تشكلان جبهة موحدة
- تنسيق كامل في المفاوضات مع أمريكا
- تعميق العلاقات الثنائية كبديل جزئي
- الاحتمالية: 10%
التداعيات على المنطقة والعالم
على النظام التجاري العالمي:
- تأكيد نهاية العولمة كما عرفناها
- صعود "الإقليمية الاستراتيجية" - تكتلات إقليمية بدلاً من نظام عالمي موحد
- تسييس التجارة: التعريفات كأداة سياسية وليست اقتصادية فقط
- تراجع دور منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي
الخلاصة: عالم جديد قاسٍ
ما نشهده في الأزمة الكندية-الأمريكية ليس مجرد نزاع تجاري عابر، بل هو نموذج مصغر للنظام العالمي الجديد الذي يتشكل أمام أعيننا:
- نهاية التحالفات الدائمة: حتى أقرب الحلفاء (كندا وأمريكا تتشاركان أطول حدود غير محمية في العالم) لم يعودوا بمنأى عن الحروب التجارية
- صعود القوة الخشنة: الإكراه الاقتصادي يحل محل الدبلوماسية التقليدية
- التنافس على النفوذ: كل صفقة تجارية أصبحت معركة في الحرب الباردة الجديدة بين أمريكا والصين
- البقاء للأذكى والأكثر مرونة: الدول المتوسطة مثل كندا يجب أن تتقن فن التوازن بين القوى العظمى
في عالم "القوة"، كما وصفه كارني، الدول التي لا تستطيع الدفاع عن مصالحها ستجد نفسها فعلاً "على قائمة الطعام" وليس على طاولة المفاوضات.
السؤال المصيري: هل ستنجح كندا في المناورة بين واشنطن وبكين دون أن تسحقها إحداهما؟ الأشهر الخمسة المقبلة حتى مراجعة USMCA ستكون حاسمة.
المصادر والمراجع
Reuters, NPR, The Globe and Mail, CBC News, CNBC, Al Jazeera
World Economic Forum (خطاب كارني في دافوس 2026)
Center for Strategic and International Studies (CSIS)
Eurasia Group - Top Risks 2026
Americas Quarterly
Business of Apps, DemandSage (إحصاءات تجارية)
ملاحظة تحريرية
تنبيه مهم
يرجى الاطلاع على الشروط والأحكام.
© 2025 EcoPulse24. جميع الحقوق محفوظة.