حرب إيران تعيد خلط حسابات البنوك المركزية حول العالم
حرب إيران رفعت أسعار النفط وأربكت خطط البنوك المركزية، ما دفعها لتوقعات أكثر حذراً بشأن أسعار الفائدة عالمياً.
دبي | EcoPulse24
تستعد البنوك المركزية الكبرى حول العالم خلال الأسبوع المقبل لتقديم أول تقييم عملي للأضرار الاقتصادية الناتجة عن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت دفعت فيه قفزة أسعار النفط والطاقة المستثمرين إلى إعادة تسعير مسار الفائدة العالمية، والانتقال من رهانات خفض الفائدة إلى توقعات أكثر حذراً، بل ورفع الفائدة في بعض الاقتصادات خلال وقت لاحق من العام.
ويشمل جدول القرارات المرتقبة بنوكاً مركزية تغطي جميع دول مجموعة السبع تقريباً، إضافة إلى عدد من أكبر الاقتصادات والعملات تداولاً في العالم، ما يجعل هذه الجولة من الاجتماعات اختباراً مباشراً لمدى استعداد صناع السياسة النقدية للتعامل مع صدمة تضخمية جديدة قد تكون ناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط وتعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز.
وفي الولايات المتحدة، من المتوقع على نطاق واسع أن يبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه يومي 17 و18 مارس، لكن ثبات الفائدة لم يعد يعني وضوح المسار كما كان قبل أسابيع. فقد أضعفت الحرب وارتفاع أسعار النفط الرهانات السابقة على تيسير نقدي مريح وطويل، بينما زادت تقلبات سوق العمل من تعقيد الصورة أمام صناع القرار. وتشير تسعيرات أسواق المال إلى احتمال يبلغ نحو 90% لخفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية خلال 2026، على الأرجح بدءاً من سبتمبر، لكن استمرار الحرب وارتفاع الطاقة قد يدفعان الفيدرالي إلى تبني لهجة أكثر تشدداً أو على الأقل أكثر حذراً. كما ينتظر المستثمرون أيضاً صدور مؤشر أسعار المنتجين الأمريكي وبيانات الإنتاج الصناعي ومبيعات المنازل الجديدة، لقياس ما إذا كانت الحرب بدأت تضغط فعلياً على مسار التضخم والنشاط.
وفي منطقة اليورو، يتجه البنك المركزي الأوروبي إلى تثبيت سعر الفائدة على الودائع خلال اجتماعه يوم الخميس، إلا أن أزمة الشرق الأوسط دفعت السياسة النقدية الأوروبية إلى الخروج من حالة الاطمئنان النسبي التي كانت تتحدث عنها رئيسة البنك كريستين لاغارد في وقت سابق. فالقفزة في أسعار الطاقة دفعت الأسواق إلى تسعير رفع للفائدة مرة واحدة على الأقل خلال 2026، مع تسعير كامل لزيادة بمقدار ربع نقطة مئوية بدءاً من يوليو، إلى جانب احتمال يبلغ نحو 70% لزيادة ثانية قبل نهاية العام. ويحاول المستثمرون المقارنة بين الصدمة الحالية وأزمة الطاقة في 2022 بعد الحرب في أوكرانيا، لكن المركزي الأوروبي هذه المرة سيكون مضطراً إلى شرح كيفية تغير مخاطر التضخم من دون أن يندفع سريعاً إلى رفع الفائدة.
وفي اليابان، يتوقع أن يبقي بنك اليابان سعر الفائدة الأساسي دون تغيير يوم الخميس، مع التأكيد أنه لا يزال على مسار التطبيع النقدي التدريجي. غير أن اعتماد اليابان الكبير على واردات النفط من الشرق الأوسط يجعلها من أكثر الاقتصادات حساسية لارتفاع الخام. فاستمرار صعود النفط قد يضغط على النمو من جهة، لكنه يضيف أيضاً ضغوطاً تضخمية من جهة أخرى، كما أن تبني لهجة شديدة التيسير قد يفاقم ضعف الين، الذي هبط بالفعل إلى أدنى مستوياته أمام الدولار منذ 2024. وتشير تسعيرات الأسواق إلى تفضيل المستثمرين رفعاً بمقدار ربع نقطة مئوية بحلول يوليو، مع احتمال يبلغ نحو 90% لزيادة ثانية بحلول ديسمبر.
وفي المملكة المتحدة، ترجح الأسواق أن يبقي بنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير يوم الخميس، بعدما كانت التقديرات قبل أسابيع تميل إلى احتمال متوازن بين التثبيت والخفض. غير أن ارتفاع أسعار النفط والغاز أعاد المخاوف بقوة من عودة التضخم إلى مستويات قد تتجاوز أكثر من ضعفي هدف البنك البالغ 2% إذا استمرت تكاليف الطاقة المرتفعة. ويأتي ذلك في وقت أظهرت فيه البيانات تباطؤ الاقتصاد البريطاني، إذ لم يسجل الناتج المحلي نمواً في يناير، ما يهدد بأن يأتي أداء الربع الأول أضعف من توقعات البنك السابقة بنمو 0.3%. وتعكس أسواق المال حالياً احتمالاً يقارب 60% لرفع الفائدة خلال 2026، وهو تحول واضح عن الوضع السابق حين كانت السوق تسعر خفضين كاملين للفائدة قبل نهاية العام.
وفي كندا، سيشكل التضخم لشهر فبراير وبيانات الوظائف الضعيفة معاً اختباراً حساساً قبل قرار بنك كندا يوم الأربعاء. فقد جاء تقرير الوظائف الأخير أسوأ من المتوقع، بعدما خسر الاقتصاد وظائف في فبراير بأكبر وتيرة شهرية خلال أكثر من أربع سنوات، في حين بقي التضخم قرب هدف البنك البالغ 2%. وتتوقع الأسواق أن يثبت البنك سعر الفائدة عند 2.25%، لكن المستثمرين سيركزون على المؤتمر الصحفي للمحافظ تيف ماكليم لمعرفة كيف يرى تأثير حرب إيران وارتفاع النفط على الآفاق الاقتصادية. وتشير تسعيرات السوق إلى تسعير رفع بمقدار ربع نقطة مئوية في أكتوبر.
أما في سويسرا، فمن المتوقع أن يبقي البنك الوطني السويسري سعر الفائدة عند صفر بالمئة في أول قرار فصلي له هذا العام، مع تركيز خاص من الأسواق على موقفه من الفرنك السويسري، بعدما ألمح مسؤولون إلى استعداد أكبر للتدخل في سوق الصرف. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن قوة الفرنك تضغط على التضخم المنخفض أصلاً عبر تقليص كلفة الواردات، بينما قد يخفف ارتفاع أسعار النفط بعض هذا الضغط النزولي. ويرى الاقتصاديون أن العودة إلى الفائدة السلبية ليست مرجحة في المرحلة الحالية، رغم حساسية البنك الشديدة لتحركات العملة. وتشير عقود المبادلة إلى احتمال يبلغ نحو 85% لرفع الفائدة خلال 2026 بدءاً من سبتمبر.
وفي السويد، يتوقع على نطاق واسع أن يبقي البنك المركزي السويدي سعر الفائدة المرجعي دون تغيير عند 1.75% يوم الخميس، تماشياً مع إشاراته السابقة، في وقت يواصل فيه الاقتصاد التحسن بينما يتراجع التضخم إلى ما دون هدف 2%. وسيكون التركيز على التوقعات الاقتصادية الجديدة ومسار الفائدة المعدل لمعرفة ما إذا كانت تطورات الشرق الأوسط دفعت صناع السياسة إلى تغيير رأيهم السابق القائل إن الخطوة التالية قد تكون رفعاً في العام المقبل. وتضع الأسواق احتمالاً بنحو 50% لرفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس بدءاً من يونيو.
وفي أستراليا، يترقب المستثمرون قرار بنك الاحتياطي الأسترالي يوم الثلاثاء بشأن سعر الفائدة النقدي البالغ حالياً 3.85%، مع ميل واضح في السوق إلى احتمال زيادة ثانية على التوالي. وكان البنك قد أصبح الشهر الماضي أول بنك مركزي كبير في الاقتصادات المتقدمة يرفع كلفة الاقتراض هذا العام، مستنداً إلى استمرار الضغوط السعرية وقوة الطلب في اقتصاد يعاني قيوداً في جانب العرض. ومنذ ذلك الحين، أكدت البيانات مرونة الاقتصاد الأسترالي، بينما زادت الحرب مع إيران من المخاوف بشأن ضغوط تضخمية محلية إضافية. وتشير تسعيرات السوق إلى الميل نحو ثلاث زيادات إضافية للفائدة خلال 2026، بدءاً من هذا الاجتماع، ما يعني أن الفائدة قد تصل إلى أعلى مستوياتها منذ 2011.
وفي البرازيل، كان البنك المركزي يتجه قبل اندلاع الحرب إلى بدء دورة تيسير نقدي واضحة، بعدما أشار في يناير إلى أن خفض الفائدة في مارس هو السيناريو الأساسي، مع وجود مساحة مريحة نسبياً بفضل تباطؤ التضخم. لكن الحرب مع إيران غيرت الصورة سريعاً، إذ انتقلت توقعات السوق من خفض بمقدار نصف نقطة مئوية إلى خفض ربع نقطة فقط، بينما بدأ بعض المتابعين يرجحون حتى احتمال الإبقاء على الفائدة عند 15% إذا اختار المجلس موقفاً أكثر حذراً في مواجهة صدمة النفط.
وفي إندونيسيا، من المتوقع أن يبقي البنك المركزي سعر الفائدة عند 4.75% يوم الثلاثاء، في قرار يعكس موازنة دقيقة بين استقرار الروبية ومخاوف عودة الضغوط التضخمية. فدعم الوقود الحكومي قد يخفف جزئياً أثر ارتفاع الأسعار على المستهلكين، لكنه قد يضغط على العجز المالي ويشجع خروج رؤوس الأموال، بما يضعف جهود السلطات للحفاظ على استقرار العملة.
وفي روسيا، سيقيّم البنك المركزي يوم الجمعة ما إذا كان تباطؤ التضخم بعد رفع ضريبة القيمة المضافة يسمح بخفض سابع متتالٍ للفائدة الرئيسية. وكان البنك قد خفض الفائدة 50 نقطة أساس في كل من الاجتماعات الثلاثة الماضية، بينما سيأتي القرار هذه المرة قبيل صدور بيانات أسعار المستهلك لشهر فبراير.
كما تشهد دول أخرى قرارات مهمة هذا الأسبوع. ففي المغرب، يرجح أن تبقى الفائدة دون تغيير بينما يراقب صناع القرار أثر حرب إيران على التضخم. وفي آيسلندا، يتوقع أن يرفع البنك المركزي الفائدة ربع نقطة مئوية إلى 7.5% في تحول عكسي بعد دورة تيسير بدأت في 2024، مع بقاء التضخم عند 5.2% وزيادة ضغوط النفط. وفي غانا، قد يبطئ البنك المركزي وتيرة الخفض أو يوقفها مؤقتاً بعدما خفض الفائدة 12.5 نقطة مئوية منذ يوليو، تحسباً لانتقال أثر الحرب إلى الأسعار. وفي التشيك وأوكرانيا، تميل التوقعات إلى تثبيت الفائدة. أما في تايوان، فمن غير المرجح رفع الفائدة حالياً رغم قوة الطلب العالمي على التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مع بقاء التضخم دون 2%. وفي باراغواي، يواجه البنك المركزي وضعاً مختلفاً نسبياً، إذ تباطأ التضخم لستة أشهر متتالية إلى 2.3%، ما أتاح خفض الفائدة إلى 5.5%.
تعكس هذه الصورة العالمية أن حرب الشرق الأوسط لم تعد مجرد عامل جيوسياسي يؤثر على أسعار النفط، بل أصبحت متغيراً مباشراً في معادلات السياسة النقدية العالمية. فبعد أن كانت الأسواق تراهن على انتقال واسع نحو خفض الفائدة في 2026، أدى ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل أحد أهم ممرات النفط في العالم إلى إعادة تسعير المخاطر التضخمية، وإلى عودة سيناريو الفائدة المرتفعة لفترة أطول في عدد من الاقتصادات الكبرى.
تحليل EcoPulse24:
تكشف موجة اجتماعات البنوك المركزية هذا الأسبوع أن صدمة حرب إيران بدأت تنتقل من سوق الطاقة إلى قلب السياسة النقدية العالمية. فارتفاع النفط والغاز لا يهدد فقط معدلات التضخم، بل يربك أيضاً خطط البنوك المركزية التي كانت تستعد للتخفيف النقدي بعد أشهر من التشديد. وكلما طال أمد الحرب أو استمرت أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة، زادت احتمالات أن يواجه الاقتصاد العالمي مزيجاً أكثر تعقيداً من تضخم مرتفع ونمو أضعف، وهو ما يعني أن قرارات الفائدة في 2026 قد تصبح أكثر تحفظاً وأقل مرونة مما كانت تتوقعه الأسواق قبل اندلاع الصراع.
المصادر والمراجع
ملاحظة تحريرية
تنبيه مهم
يرجى الاطلاع على الشروط والأحكام.
© 2025 EcoPulse24. جميع الحقوق محفوظة.