25 نوفمبر 2025 – اهتزّ قطاع أشباه الموصلات اليوم بعد الكشف عن أن شركة "ميتا" تدرس استخدام شرائح "TPU" الخاصة بغوغل داخل مراكز بياناتها ابتداءً من عام 2027، وهي خطوة فورية انعكست على الأسواق حيث تراجعت أسهم إنفيديا بنسبة 4% بينما قفزت أسهم ألفابت بأكثر من 4%. ويعتبر هذا التطور نقطة انقلاب حقيقية في “حرب الشرائح” الدائرة في مجال الذكاء الاصطناعي، إذ يشير إلى أن السلاح السري الذي طوّرته غوغل طوال عقد كامل أصبح اليوم تهديدًا فعليًا لهيمنة إنفيديا شبه المطلقة على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ولادة مشروع TPU في الخفاء: السنوات التي سبقت الثورة
بدأت قصة الـTPU داخل غوغل في عام 2013 عندما أظهرت محاكاة داخلية أن الشركة ستواجه أزمة بنيوية ضخمة إذا استمر التوسع في استخدام البحث الصوتي. فقد بيّنت الحسابات أنه في حال استخدم كل فرد البحث الصوتي لمدة ثلاث دقائق يوميًا فقط، فإن ذلك سيجبر غوغل على مضاعفة حجم أسطول وحدات معالجة الرسوميات في مراكز بياناتها حول العالم. لم يكن هذا السيناريو مبالغًا فيه؛ بل كان تهديدًا مباشرًا لقدرة الشركة على مواكبة النمو السريع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل منتجاتها المختلفة.
وبعد عرض النتائج على الإدارة العليا، اتخذ لاري بايج إلى جانب جيف دين قرارًا جريئًا سيعيد تشكيل خريطة الذكاء الاصطناعي لعقد كامل: غوغل لن تعتمد على إنفيديا أو على السوق المفتوح، بل ستصنع شريحـتها الخاصة المصممة تحديدًا لتشغيل الذكاء الاصطناعي. تم وضع المشروع تحت أعلى مستويات السرية، حتى إن معظم موظفي الشركة لم يكونوا يعلمون بوجوده.
لم يكن اختيار قائد المشروع مصادفة. فقد استقطبت غوغل العالِم المخضرم نورمان جوبّي عام 2013، وهو أحد مبتكري معمارية MIPS الشهيرة وأحد أبرز الباحثين في تصميم المعالجات وأنظمة الذاكرة. يحمل جوبّي أكثر من 125 براءة اختراع، وشارك في نشر 125 ورقة علمية، وهو عضو في ثلاث من أهم مؤسسات الهندسة والبحث العلمي. تمكن جوبّي من تشكيل فريق نخبة يضم مهندسين من AMD وBroadcom وIntel، بالإضافة إلى شخصيات أساسية مثل Cliff Young وNishant Patil وعالم الحوسبة الشهير David Patterson. كما عملت فرق البرمجيات على تصميم XLA، وهو المترجم الذي سيجعل الـTPU قابلاً للبرمجة وقادرًا على منافسة الأنظمة الرسومية المنتشرة.
2016: الكشف عن أول شريحة TPU – الضربة التي لم يتوقعها أحد
في مايو 2016، وفي مؤتمر Google I/O، أعلنت غوغل أنها كانت تشغّل شريحة ذكاء اصطناعي مخصصة داخل بنيتها التحتية لمدة عام ونصف دون أن يعلم العالم بذلك. كانت الشريحة، المعروفة باسم TPU v1، قادرة على تنفيذ 92 تيرا عملية في الثانية عند دقة 8-bit، مع استهلاك طاقة لا يتجاوز 40 واط، وهو مستوى يفوق بكثير ما كان ممكنًا باستخدام معالجات إنفيديا في ذلك الوقت.
لكن المفاجأة الكبرى لم تكن في الأرقام، بل في التطبيقات التي كانت الشريحة تعمل عليها سرًا. فقد استُخدمت في نظام AlphaGo الذي هزم لي سيدول، وفي معالجة كل النصوص الموجودة داخل Google Street View خلال خمسة أيام فقط، وفي تشغيل 100 مليون صورة يوميًا عبر Google Photos، بالإضافة إلى كونها المحرك الأساسي لنظام RankBrain المسؤول عن ترتيب نتائج البحث. كانت غوغل تستخدم شريحة ذكاء اصطناعي خاصة بها على نطاق عالمي بينما كان الجميع يعتقد أنها تعتمد على إنفيديا فقط.
مرحلة التطور العملاق: من الاستدلال إلى تدريب أكبر نماذج الذكاء الاصطناعي
شهدت الأجيال التالية من الـTPU تحولًا جذريًا. فقد قدمت TPU v2 أول قدرة تدريب كاملة باستخدام bfloat16، بينما قدّم الجيل الثالث TPU v3 قوة حوسبة تجاوزت 100 بيتافلوب في عنقود واحد، لتتفوق على كامل قائمة Top500 لأكثر الحواسيب العملاقة قوة في تلك الفترة. ومع طرح غوغل هذه العناقيد للعملاء الخارجيين عبر Google Cloud، أصبحت أول شركة تقدم حاسوبًا عملاقًا للذكاء الاصطناعي مبنيًا بالكامل على شرائح ليست من إنتاج إنفيديا.
استمرت القفزات الكبيرة وصولًا إلى TPU v4 الذي حقق 275 تيرافلوب لكل شريحة و1.1 إكسافلوب في عنقود واحد، والذي أثبتت الأبحاث العلمية قدرته على تدريب ResNet-50 بنسبة أسرع من A100 من إنفيديا بـ1.6 مرة مع استهلاك أقل للطاقة. ومع وصول جيل Ironwood الجديد، تضاعفت السرعة أربع مرات، وانخفض استهلاك الطاقة بنسبة 30%، ووصلت الذاكرة إلى 192 جيجابايت لكل شريحة، مع قدرة على ربط أكثر من 9,000 شريحة داخل عنقود واحد بذاكرة مشتركة هائلة.
لماذا تتجه ميتا نحو غوغل؟ صفقة تعيد تشكيل السوق
الميزة الأولى التي دفعت ميتا نحو غوغل كانت اقتصادية بحتة. فتكلفة تشغيل شريحة TPU v5p أقل بنحو النصف مقارنةً بتشغيل Nvidia H100، وهو فارق يتراكم ليصل إلى مليارات الدولارات سنويًا نظرًا لحجم بنية ميتا الهائلة. أما على مستوى الطاقة، فقد أثبتت الاختبارات أن نماذج عملاقة مثل Gemini 3 التي دُربت على TPUs قدمت مزيجًا من الأداء العالي وكفاءة الطاقة بشكل يتفوق على ما توفره إنفيديا.
المكسب الآخر الذي تبحث عنه ميتا هو أمن التوريد. ففي الوقت الذي تعاني فيه الشركات حول العالم من نقص شرائح إنفيديا بسبب الطلب المتزايد، تضمن غوغل – من خلال تصنيع شرائحها لدى TSMC وBroadcom – تدفقًا ثابتًا من الشرائح دون اختناقات أو قوائم انتظار.
وبالنسبة لميتا التي تنفق ما يصل إلى 72 مليار دولار سنويًا على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فإن التحول حتى بنسبة 20 أو 30% نحو TPU سيغير المشهد الاقتصادي جذريًا في هذا القطاع.
صفقة أنثروبيك: نقطة التحول الأكبر
في أكتوبر 2025، أعلنت غوغل وأنثروبيك عن اتفاق تاريخي قد يكون الأضخم في العالم في مجال بنية الذكاء الاصطناعي: وصول أنثروبيك إلى مليون شريحة TPU اعتبارًا من عام 2026، وهي قدرة حوسبة تتطلب بنية تحتية تستهلك أكثر من واحد جيجاواط من الطاقة. لم يكن الدافع بنيويًا أو تقنيًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا، إذ أثبتت الحسابات أن استخدام TPU يوفر للمؤسسة مليارات في التكلفة مقارنةً بالاعتماد الكامل على شرائح إنفيديا.
اعتماد آبل على غوغل: المفاجأة التي قلبت التوقعات
بعيدًا عن الأضواء، كانت آبل تعتمد على غوغل لتشغيل نموذج الذكاء الاصطناعي الذي سيغذي الجيل الجديد من Siri. وتشير المعلومات إلى أن آبل ستدفع نحو مليار دولار سنويًا مقابل نموذج غوغل البالغ 1.2 تريليون معامل، وهو ما يعكس فجوة هائلة مقارنةً بنموذج آبل الداخلي ذي 150 مليار معامل فقط. الفارق هنا لا يتعلق بالأداء فحسب، بل بالنضج والتكلفة؛ إذ إن الاعتماد على غوغل أصبح الخيار الأكثر جدوى لآبل رغم استثماراتها الضخمة.
الميزة التقنية للـTPU: لماذا تتفوق على GPU؟
تستمد شرائح TPU قوتها من تصميمها المتخصص الذي ركز على تسريع عمليات التعلم العميق دون الحاجة إلى التوافق مع تطبيقات الرسوميات أو الاستخدامات العامة. تعتمد غوغل على هيكلية التوروس متعددة الأبعاد التي تناسب العمليات التنسورية بشكل طبيعي، ما يقلل التكلفة التشغيلية ويزيد من الكفاءة. وفي الوقت الذي كانت CUDA تمثل عائقًا أمام دخول منافسين جدد، فتحت غوغل الباب أمام مطوري PyTorch وJAX وXLA، وهو تحول يهدد أهم مصادر قوة إنفيديا.
تأثير السوق: تحولات قادمة لا مفرّ منها
لا تزال إنفيديا تمتلك الحصة الأكبر في سوق معالجات الرسوميات بنسبة 80%، لكن أرقام الإنتاج والاستهلاك تظهر أن TPUs باتت تدخل تدريجيًا في مراكز البيانات الضخمة، وأن حصتها في قطاع التدريب المتقدم بدأت بالفعل تتجاوز 10%. يُتوقع أن تشحن غوغل 2.5 مليون شريحة TPU في عام 2025 وحده، وهو رقم يضعها في موقع يسمح لها بتغيير ديناميكيات التسعير والتوريد في السوق.
التطور الأخير المتعلق بمفاوضات ميتا دفع أسهم إنفيديا للانخفاض بأكثر من 4%، وهو انعكاس واضح لحجم المخاطر التي تمثلها شرائح غوغل على النمو المتسارع لإنفيديا. أما Broadcom، الشريك الأساسي في تصميم TPU، فقد ارتفع سهمها مع تزايد الثقة بأن مستقبل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي سيتوزع على أكثر من لاعب واحد.
الخلاصة: نهاية مرحلة الهيمنة… وبداية المنافسة
لن تقضي شرائح TPU على إنفيديا، لكنها أنهت عصر السيطرة المطلقة. فغوغل، عبر عقود من الاستثمارات، تمكنت من بناء نظام كامل للذكاء الاصطناعي قادر على منافسة أفضل ما تقدمه إنفيديا من حيث الأداء، وكفاءة الطاقة، والتكلفة. ومع دخول لاعبين كبار مثل ميتا وأنثروبيك وآبل إلى هذا النظام، لم يعد السؤال يدور حول قدرة TPU على المنافسة، بل حول مدى سرعة انتشارها.
لقد انتهى عصر الهيمنة الأحادية، وبدأت مرحلة جديدة من المنافسة الصريحة في سوق شرائح الذكاء الاصطناعي. وهذه المرة، يبدو أن غوغل مستعدة تمامًا.