أسباب تباطؤ الاقتصاد: أزمة الوظائف وتدني الأجور في بريطانيا
الاقتصاد البريطاني يعاني من بطالة متزايدة، تباطؤ الأجور، وتأثير الذكاء الاصطناعي، وسط ضغوط تكاليف وأمل في خفض الفائدة.
. أفاد مكتب الإحصاءات الوطنية (ONS) بأن 1.8 مليون شخص خارج سوق العمل بين يوليو وسبتمبر، بزيادة قدرها 282,000 مقارنة بالفترة نفسها العام الماضي، في حين انخفض عدد الموظفين المسجلين في الرواتب بمقدار 117,000. كما انخفضت الوظائف الشاغرة إلى 723,000، وهو أدنى مستوى منذ ما قبل الجائحة، مما يشير إلى تباطؤ حاد في الطلب على التوظيف.
يُعد ارتفاع تكاليف الأعمال السبب الرئيسي وراء هذا التباطؤ. يواجه أصحاب العمل الآن معدل مساهمة أعلى في التأمين الوطني بنسبة 15% – ارتفاعاً من 13.8% – إلى جانب أكبر زيادة على الإطلاق في الحد الأدنى للأجور إلى 11.44 جنيه إسترليني للساعة. هذه الإجراءات، التي تم تقديمها في وقت سابق من العام وتعزيزها في ميزانية 26 نوفمبر القادمة، أجبرت الشركات على تقليص العمالة بدلاً من تحمل العبء الإضافي. بلغ معدل الإقالة الجماعية 3.8 لكل 1,000 موظف في الصيف، وهو الأعلى منذ إغلاق 2021.
تُسرّع الأتمتة والذكاء الاصطناعي الأزمة، خاصة في القطاعات المكتبية. وفقاً لـ ONS، تم استبدال 12% من الوظائف الشاغرة المُلغاة في 2025 مباشرة بأدوات ذكاء اصطناعي. لقد تصرفت الشركات البريطانية الكبرى بالفعل: قامت مجموعة لويدز بنك بتقليص 2,800 دور مكتبي باستخدام خوارزميات كشف الاحتيال، أعلنت BT عن 1,200 إقالة ضمن استراتيجيتها "الذكاء الاصطناعي أولاً"، واستبدلت ديلويت 700 موظف مراجعة عقود بنظم آلية. يقدر معهد دراسات التوظيف أن 45,000 وظيفة في القطاع الخاص قد اختفت هذا العام وحده بسبب استبدال الذكاء الاصطناعي، مع توقع بنك إنجلترا خسارة تصل إلى 250,000 وظيفة بحلول 2028.
يفاقم الضعف الاقتصادي المشكلة. توقف نمو الناتج المحلي الإجمالي عند 0.1% في الربع الثالث، مما يسحق ثقة الأعمال والإنفاق الاستهلاكي. تتعرض قطاعات مثل الضيافة والبيع بالتجزئة، التي تضررت بالفعل من نقص العمالة بعد بريكست، إلى ضغط مزدوج من انخفاض الطلب وقواعد الهجرة الأكثر صرامة التي تجعل ملء الثغرات منخفضة المهارة أكثر صعوبة.
لا يقدم صورة الأجور أي راحة تذكر. ارتفع الدفع الاسمي بنسبة 4.8% على أساس سنوي، لكن بعد تعديله للتضخم – الذي لا يزال يدور حول 4% – شهد العمال زيادة حقيقية بنسبة 0.7% فقط. في القطاع الخاص، تباطأ نمو الدفع المنتظم إلى 4.2%، بينما استمتع موظفو القطاع العام بزيادة 6.6% بفضل تسويات التعويضات السابقة. النتيجة هي فجوة أجور متزايدة: الوظائف ذات المهارات العالية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي تحقق زيادات سنوية بنسبة 15%، بينما تتباطأ الوظائف الإدارية والخدمة العملاء المتوسطة أو تختفي.
أصبحت بطالة الشباب نقطة اشتعال خاصة. يبلغ عدد الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عاماً بدون عمل 702,000، ويقترب عدد الشباب البريطانيين المصنفين كـ NEET (غير في التعليم أو التوظيف أو التدريب) من مليون، وهو أعلى رقم في عقد. يبلغ معدل بطالة الخريجين 14.2%، وهو أعلى بكثير من المتوسط الوطني، حيث تتلاشى الوظائف المكتبية المبتدئة تحت الأتمتة.
ردت الحكومة ببرنامج "AI Skills Bootcamp" بتمويل 100 مليون جنيه إسترليني لإعادة تدريب 50,000 عامل بحلول 2027، لكن النقاد يقولون إنه لا يعالج الألم الفوري. مع توقع بنك إنجلترا خفض أسعار الفائدة مرة أخرى في ديسمبر لتحفيز النمو، تخاطر أزمة الوظائف بأن تصبح حلقة مفرغة: أقل عمالة يعني إنفاقاً أقل، طلباً أضعف، وتوظيفاً أبطأ.
في الوقت الحالي، يظل سوق العمل البريطاني محاصراً بين ارتفاع التكاليف، الإزاحة التكنولوجية، واقتصاد بطيء – مما يترك ملايين يواجهون إما البطالة أو أجوراً بالكاد تكفي لمواكبة تكاليف المعيشة.
قرارات بنك إنجلترا في أزمة الوظائف وتدني الأجور
يُعد بنك إنجلترا، البنك المركزي للمملكة المتحدة، أحد أبرز اللاعبين في تشكيل مسار سوق العمل والأجور، لكنه يؤثر بشكل غير مباشر من خلال أداة رئيسية واحدة هي سعر الفائدة الأساسي (Base Rate). يهدف البنك أساساً إلى الحفاظ على التضخم ضمن نطاق 1-3%، مع دعم النمو الاقتصادي والتوظيف الكامل، لكن قراراته غالباً ما تخلق توازناً دقيقاً بين هذه الأهداف.
في الفترة من 2022 إلى 2024، رفع البنك أسعار الفائدة بشكل حاد لمواجهة التضخم الذي بلغ 11% نتيجة تداعيات جائحة كورونا وحرب أوكرانيا. هذا الرفع جعل القروض أغلى ثمناً، مما قلل من قدرة الشركات على الاقتراض والتوسع، وبالتالي خفض الطلب على التوظيف وتباطأ نمو الأجور. النتيجة المباشرة كانت تباطؤ الاقتصاد، حيث أدى ارتفاع تكاليف التمويل إلى تقليص الاستثمارات وانخفاض الإنفاق الاستهلاكي، مما ساهم في ارتفاع البطالة إلى 5.0% في الربع الثالث من 2025.
مع انخفاض التضخم إلى حوالي 4% في نوفمبر 2025، بدأ البنك في خفض أسعار الفائدة تدريجياً لتحفيز النشاط الاقتصادي. في تقريره الأخير الصادر في 11 نوفمبر 2025، أشار البنك إلى أن تباطؤ نمو الأجور وارتفاع البطالة أسرع من المتوقع يخففان الضغوط التضخمية، مما يمهد الطريق لخفض محتمل إضافي في ديسمبر إلى 4.5%. هذا الخفض يهدف إلى جعل الاقتراض أرخص، مما يشجع الشركات على الاستثمار والتوظيف، وبالتالي دعم نمو الأجور الحقيقي.
ومع ذلك، فإن تأثير خفض الفائدة ليس فورياً؛ يحتاج عادةً من 6 إلى 12 شهراً ليظهر في سوق العمل. في الوقت الحالي، يظل الاقتصاد محاصراً في حلقة مفرغة: ارتفاع البطالة يقلل الإنفاق، مما يضعف الطلب ويحد من قدرة الشركات على زيادة الأجور. يتوقع البنك أن يساعد خفض الفائدة في كسر هذه الحلقة تدريجياً، لكنه لن يعالج بشكل كامل التحديات الهيكلية مثل استبدال الوظائف بالذكاء الاصطناعي أو ارتفاع تكاليف التوظيف الناتجة عن السياسات الحكومية.
باختصار، بنك إنجلترا ليس مصدر الأزمة، لكنه صمام التحكم في تدفق السيولة الاقتصادية. رفع الفائدة في الماضي ساهم في التباطؤ الحالي، بينما خفضها المرتقب يمثل أملاً في التعافي البطيء. راقب قرار ديسمبر 2025؛ فإذا تم الخفض كما هو متوقع، قد يبدأ سوق العمل في الانتعاش بحلول منتصف 2026، مع تحسن طفيف في الرواتب الحقيقية.
المصادر والمراجع
ملاحظة تحريرية
تنبيه مهم
جميع الحقوق محفوظة
يرجى الاطلاع على الشروط والأحكام.
© 2025 EcoPulse24