برنامج ترامب الجديد: "البطاقة الذهبية" بمليون دولار تعيد فتح جدل "تأشيرات المليونيرات" عالميًا
أطلق ترامب برنامج "البطاقة الذهبية" للإقامة مقابل مليون دولار، مما أثار جدلاً حول العدالة والأمن.
في خطوة أثارت جدلاً واسعًا حول العدالة والأمن القومي، أطلقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم 10 ديسمبر 2025 برنامجًا جديدًا يُتيح للأثرياء حول العلام الحصول على إقامة أمريكية سريعة مقابل دفع مليون دولار للأفراد، أو مليوني دولار إذا دفعتها شركة نيابة عنهم. ويأتي هذا البرنامج، المعروف بـ"Trump Gold Card"، في وقت تشدد فيه الحكومات الغربية سياسات الهجرة التقليدية، بينما تفتح أبوابها على مصراعيها لمن يمتلك المال الكافي. فما هي "التأشيرات الذهبية"؟ ولماذا تواجه انتقادات حادة رغم انتشارها في عشرات الدول؟
ما هي "البطاقة الذهبية" الأمريكية؟
وقع الرئيس ترامب أمرًا تنفيذيًا في 19 سبتمبر 2025 يسمح بإصدار تأشيرات هجرة سريعة للأجانب الذين يتبرعون بمبلغ مليون دولار كأفراد، أو مليوني دولار إذا دفعتها شركة نيابة عنهم. وتذهب عائدات البرنامج إلى وزارة الخزانة الأمريكية بهدف "تعزيز التجارة والصناعة الأمريكية" حسب الصيغة الرسمية. وبدأت الإدارة قبول الطلبات اعتبارًا من 10 ديسمبر 2025.
وتروج الإدارة أيضًا لـ"البطاقة البلاتينية" بقيمة 5 ملايين دولار، والتي ستمنح حامليها البقاء في الولايات المتحدة لمدة تصل إلى 270 يومًا سنويًا دون الخضوع للضرائب الأمريكية على الدخل المحقق خارج أمريكا. وحتى 11 ديسمبر، كانت البطاقة البلاتينية مدرجة على الموقع الحكومي كـ"قريبًا".
"التأشيرة الذهبية" و"الجواز الذهبي": ما الفرق؟
التأشيرات الذهبية، أو ما يُعرف بـ"الإقامة مقابل الاستثمار"، تمنح الأفراد إقامة مؤقتة أو دائمة في بلد ما، مما يتيح لهم العيش والعمل هناك. وقد تشمل الاستثمارات شراء عقار، إنشاء شركة، أو التبرع لصندوق حكومي. وفي كثير من الحالات، لا يُطلب من الحاصل على التأشيرة الإقامة الدائمة في البلد، مما يجعلها بمثابة "خطة احتياطية" للأثرياء الذين يريدون خيار السفر دون الانتقال الفعلي.
أما "الجواز الذهبي" فهو أندر وأكثر قيمة، حيث يمنح الجنسية الكاملة مقابل استثمار كبير أو دفعة مباشرة للحكومة. والحصول على جنسية في دولة من الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، يعني حرية العمل والسفر والدراسة في جميع الدول الـ27 الأعضاء.
أين يمكن شراء الجنسية بأقل من ربع مليون دولار؟
تقدم جزر الكاريبي مثل أنتيغوا وبربودا، وغرينادا، وسانت كيتس ونيفيس، من أكثر برامج الجنسية تنافسية، حيث تبدأ خيارات الاستثمار من 200,000 دولار فقط بعد رفع الحد الأدنى في 2024. وتشمل الدول الأخرى التي تقدم ترتيبات مماثلة مصر، الأردن، الجبل الأسود، مقدونيا الشمالية، والنمسا، وفقًا لشركة الاستشارات "Henley & Partners" ومقرها لندن.
وفي حالة استثنائية، تقدم دولة ناورو في المحيط الهادئ جوازات ذهبية للمساعدة في تغطية تكاليف نقل السكان من المنازل المنخفضة المهددة بارتفاع مستوى سطح البحر والفيضانات.
أوروبا تتراجع: لماذا تلغي الدول برامج التأشيرات الذهبية؟
حذرت المفوضية الأوروبية لسنوات من أن برامج التأشيرات الذهبية تعرض الاتحاد لمخاطر غسيل الأموال والأمن القومي. وزادت الحرب في أوكرانيا من هذه المخاوف، حيث خشيت الحكومات من استخدام الأثرياء الروس لهذه البرامج للتهرب من العقوبات.
أنهت المملكة المتحدة وأيرلندا وهولندا واليونان وإسبانيا برامجها أو شددت قواعدها بشكل كبير. وفي بعض الحالات، جاء القرار جزئيًا لمعالجة أزمة الإسكان، رغم أن برامج التأشيرات الذهبية تمثل نسبة صغيرة فقط من صفقات العقارات في تلك الدول.
البرتغال تعدل برنامجها الأكثر شعبية
عدلت البرتغال برنامجها - أحد أشهر البرامج في أوروبا - بإلغاء الاستثمارات العقارية كأساس لطلبات التأشيرة الذهبية. وبحلول ذلك الوقت، كان نحو 90% من الأموال التي جمعها البرنامج البرتغالي قد ذهبت إلى العقارات. واجتذب البرنامج مليارات اليوروهات إلى سوق العقارات، وكان شائعًا جدًا بين المستثمرين الصينيين حتى أن اللافتات الإعلانية في مطار لشبونة كانت مكتوبة بالصينية. ومؤخرًا، ازدادت شعبية البرنامج بين المستثمرين الأمريكيين.
والآن، لا تزال بعض الخيارات متاحة في البرتغال: الاستثمار في صندوق استثماري مؤهل بقيمة 500,000 يورو على الأقل، أنشطة البحث العلمي، أو الاستثمار في رأس مال شركة تخلق 5 وظائف أو تحافظ على 10 وظائف.
اليونان ترفع السقف، والكاريبي يستجيب للضغوط الأوروبية
رفعت اليونان العام الماضي الحد الأدنى الذي يجب على مشتري العقارات الأجانب دفعه للحصول على تأشيرة ذهبية إلى 400,000 يورو، ووسعت برنامجها ليشمل المستثمرين الراغبين في ضخ 250,000 يورو على الأقل في الشركات الناشئة المحلية.
وترتفع تكلفة الحصول على الجنسية عن طريق الاستثمار في منطقة الكاريبي، حيث تشكل هذه البرامج أكثر من نصف الإيرادات الوطنية لبعض الدول الجزرية الصغيرة. وتسمح بعض جوازات السفر الكاريبية بالسفر بدون تأشيرة إلى المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي كجزء من اتفاقيات ثنائية، وهو ما أثار قلق المنظمين الأوروبيين من استخدام هذه البرامج كبوابة للمجرمين.
واستجابة لضغوط الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، اتفقت جميع الدول الخمس في الكاريبي التي تقدم جوازات ذهبية - دومينيكا وغرينادا وسانت كيتس ونيفيس وأنتيغوا وبربودا وسانت لوسيا - في 2024 على البدء بفرض 200,000 دولار كحد أدنى على الأقل. كما زادت الدول من العناية الواجبة وطرحت ضوابط أكثر صرامة.
نيوزيلندا تسير عكس التيار: تخفيف القواعد لجذب الأثرياء
بعكس الاتجاه السائد، أعلنت نيوزيلندا في أوائل فبراير 2025 أنها تخفف متطلبات برنامج التأشيرة الذهبية في محاولة لجذب المهاجرين الأثرياء والمساعدة في تحفيز الانتعاش الاقتصادي بعد ركود حاد في 2024. وتشمل الخطط إلغاء اختبار اللغة الإنجليزية، وتوسيع نطاق الاستثمارات المقبولة، وتعديل مدة الإقامة المطلوبة في البلاد.
وشهدت الدولة الجزرية اهتمامًا "ساخنًا للغاية" ببرنامج التأشيرة الذهبية من الولايات المتحدة وأوروبا مع تصاعد التوترات الجيوسياسية التي دفعت الأثرياء للنظر في خيارات بديلة بالخارج، وفقًا لوزيرة الهجرة إيريكا ستانفورد.
من يشتري التأشيرات الذهبية؟
غالبًا ما يشتري التأشيرات الذهبية مواطنون من الصين وروسيا ودول الشرق الأوسط الذين يرغبون في العيش في غرب أوروبا أو الولايات المتحدة. لكن الاهتمام بهذه البرامج يمتد عبر الدول: فقد لفت برنامج نيوزيلندا المُحدّث أنظار الأثرياء في الولايات المتحدة وأوروبا أنفسهم، الذين يبحثون عن خطط احتياطية في عالم متقلب.
الانتقادات: بيع الجنسية للأغنياء يعمق الفجوة الاجتماعية
ينتقد معارضو البرامج كونها تكرس عدم المساواة من خلال منح فرص للأثرياء يُحرم منها الآخرون، ويقولون إن الجنسية والإقامة حقوق أساسية لا ينبغي بيعها لمن يدفع أكثر. كما تشير وكالات إنفاذ القانون إلى أن هذه البرامج تسهل النشاط الإجرامي وتعج بالفساد.
وتنتقد منظمة الشفافية الدولية، وهي جهة رقابية لمكافحة الفساد، التأشيرات الذهبية في الاتحاد الأوروبي بشدة، محذرة من أنها تخلق ثغرات يستغلها المجرمون وغاسلو الأموال.
تحليل EcoPulse24
يكشف انتشار برامج "التأشيرات الذهبية" عالميًا عن تناقض صارخ في السياسات الغربية: تشديد قاسٍ على الهجرة العادية، وأبواب مفتوحة للأثرياء. برنامج ترامب الجديد يمثل ذروة هذا الاتجاه - حيث تُباع الإقامة الأمريكية صراحة مقابل مليون دولار، في وقت تواجه فيه ملايين العائلات إجراءات ترحيل ومتاهات بيروقراطية.
الأبعاد الاقتصادية واضحة: هذه البرامج جذبت مليارات الدولارات لدول مثل البرتغال واليونان خلال أزمة الديون الأوروبية. وفي الكاريبي، تشكل أكثر من نصف الإيرادات الوطنية لبعض الجزر الصغيرة. بالنسبة لنيوزيلندا، تمثل "خطة إنقاذ" بعد ركود 2024، ولترامب، مصدر تمويل "للصناعة الأمريكية" دون موافقة الكونغرس على ضرائب جديدة.
لكن التكاليف الاجتماعية فادحة: تضخم أسعار العقارات (90% من أموال البرتغال ذهبت للعقار)، ملاك غائبون يشترون ولا يسكنون، وتعميق الفجوة بين من يملك المال ومن لا يملكه. والأخطر، المخاوف الأمنية: كيف يمكن ضمان ألا يستغل مجرمون أو غاسلو أموال هذه البرامج؟ الحرب في أوكرانيا كشفت هذا الخطر عندما خشيت أوروبا من استخدام روس خاضعين للعقوبات لهذه "البوابات القانونية".
الاتجاه العام متناقض: أوروبا تتراجع بقيادة بريطانيا وإسبانيا واليونان، بينما أمريكا ونيوزيلندا تتوسعان. والكاريبي، تحت ضغط أوروبي، يرفع الأسعار ويشدد الرقابة، لكنه لن يتخلى عن مصدر دخل حيوي. السؤال الأخلاقي الأساسي يبقى: هل الجنسية سلعة تُباع وتُشترى؟ أم حق يُكتسب بالانتماء والمساهمة؟
للمستثمرين الأثرياء: الفرص لا تزال موجودة، لكن النافذة تضيق في أوروبا. نيوزيلندا تقدم فرصة جديدة للأمريكيين والأوروبيين القلقين من الاضطرابات الجيوسياسية. وبرنامج ترامب، رغم ارتفاع سعره، يمنح إقامة أمريكية مباشرة - وهو ما كان يستغرق سنوات عبر القنوات التقليدية.
الخلاصة:عالم "التأشيرات الذهبية" يتطور بسرعة - أوروبا تنسحب تدريجيًا، وأمريكا ونيوزيلندا تملآن الفراغ. والفائز الأكبر؟ الأثرياء الذين يمتلكون الآن خيارات أكثر من أي وقت مضى لشراء "خطة احتياطية" في عالم متقلب. أما الخاسر؟ فكرة أن الجنسية والإقامة حقوق، وليست امتيازات تُشترى بالمال.
المصادر والمراجع
ملاحظة تحريرية
تنبيه مهم
يرجى الاطلاع على الشروط والأحكام.
© 2025 EcoPulse24. جميع الحقوق محفوظة.