التضخم في المملكة العربية السعودية يسجّل 1.8% في يناير 2026.. والإيجارات تتصدر المشهد
التضخم بالسعودية بلغ 1.8% في يناير 2026، مدفوعاً بارتفاع الإيجارات، وتصدرت الرياض المناطق الأعلى تضخماً بنسبة 3.3%.
الرياض | EcoPulse24
رصدت الهيئة العامة للإحصاء في المملكة العربية السعودية ارتفاعاً في معدل التضخم السنوي خلال شهر يناير 2026، إذ بلغ الرقم القياسي لأسعار المستهلك 1.8% مقارنةً بالشهر ذاته من عام 2025، وذلك وفق البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة.
الإيجارات الرائدة في تحريك مؤشر الأسعار
جاء قطاع السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى في مقدمة المحركات الرئيسية للتضخم، مسجّلاً ارتفاعاً بنسبة 4.2% على أساس سنوي، تمثّل الوزن الأكبر منه في صعود أسعار الإيجارات الفعلية للسكن بنسبة 5.2%. وبالنظر إلى أن هذا القطاع يشكّل نحو 20.2% من سلة المستهلك، فإن تأثيره في المؤشر العام يبقى الأعلى من بين جميع أقسام الإنفاق.
وعلى صعيد القطاعات الأخرى، ارتفعت أسعار النقل بنسبة 1.5% سنوياً، مدفوعةً بصعود خدمات نقل الركاب بنسبة 6.0%، فيما سجّلت المطاعم وخدمات الإقامة ارتفاعاً بنسبة 1.0%، بالتوازي مع مؤشر مماثل لأسعار خدمات تقديم الأطعمة والمشروبات.
أبرز الارتفاعات والانخفاضات حسب الأقسام
تصدّر قسم العناية الشخصية والحماية الاجتماعية والسلع والخدمات الأخرى قائمة الارتفاعات بنسبة 7.9% سنوياً، مدفوعاً بصعود أسعار المجوهرات والساعات بنسبة 28.1%، في ظاهرة لافتة تعكس تنامي الطلب على المنتجات الفاخرة في السوق السعودية.
وفي السياق ذاته، سجّلت أسعار التأمين والخدمات المالية ارتفاعاً بنسبة 3.3%، يُعزى بصورة رئيسية إلى ارتفاع أقساط التأمين بنسبة 5.1%، فيما قفزت أسعار الترفيه والرياضة والثقافة بنسبة 2.3%، وارتفعت أسعار خدمات التعليم بنسبة 1.6%.
في المقابل، سجّلت بعض القطاعات انخفاضات طفيفة؛ إذ تراجعت أسعار الأثاث والأجهزة المنزلية والصيانة الدورية للمنزل بنسبة 0.3% نتيجة انخفاض أسعار الأثاث والمفروشات والسجاد بنسبة 3.0%، كما تراجعت أسعار الصحة بنسبة طفيفة بلغت 0.1%.
تباين إقليمي لافت: الرياض تتقدم المشهد
كشفت بيانات الهيئة عن تفاوت ملموس في معدلات التضخم بين مناطق المملكة خلال يناير 2026. فقد تصدّرت منطقة الرياض القائمة بتضخم سنوي بلغ 3.3%، متجاوزةً بذلك المعدل الوطني البالغ 1.8% بفارق كبير، ويُرجَّح أن ذلك يعكس الضغوط المتصاعدة على أسعار العقارات والإيجارات في العاصمة في ظل الطلب المتنامي الذي تفرزه رؤية 2030 ومشاريعها الكبرى.
في المقابل، أظهرت المنطقة الشرقية أدنى معدل تضخم سنوي بين المناطق، إذ لم يتجاوز 0.08%، وهو رقم يكشف عن استقرار نسبي ملحوظ في أسعار المستهلك بتلك المنطقة مقارنةً بسائر المناطق.
ارتفاع شهري معتدل: 0.2% في يناير
على الأساس الشهري، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 0.2% في يناير 2026 مقارنةً بديسمبر 2025، وهو ما يُشير إلى استقرار نسبي في وتيرة ارتفاع الأسعار على المدى القصير. وقد قادت هذا الارتفاع أسعار السكن والإيجارات بنسبة 0.5% شهرياً، بينما انخفضت أسعار الأغذية والمشروبات بنسبة 0.6% خلال الشهر ذاته.
السياق: تراجع مقارنةً بذروة 2025
تجدر الإشارة إلى أن معدل التضخم السنوي البالغ 1.8% في يناير 2026 يمثّل تراجعاً عن المستويات المسجّلة في منتصف عام 2025، التي بلغت ذروتها عند 2.3% في شهري يوليو وأغسطس. غير أن هذا المعدل يظل أعلى من مستوى يناير 2025 الذي كان 1.6%، مما يعكس بداية عام 2026 بضغوط سعرية أكبر نسبياً مقارنةً ببداية العام السابق.
المنهجية
تجدر الإشارة إلى أن الهيئة العامة للإحصاء اعتمدت منهجيةً محدّثةً لاحتساب الرقم القياسي ابتداءً من أغسطس 2025، تشمل توسيع التغطية الجغرافية ونقاط البيع وبنود السلة البالغة 582 عنصراً، استناداً إلى مسح دخل وإنفاق الأسرة لعام 2023.
تحليل اقتصادي خاص | EcoPulse24
أولاً: أزمة الإيجارات البنيوية .. ظاهرة أعمق من التضخم
الرقم 5.2% لارتفاع الإيجارات الفعلية ليس مجرد بند في تقرير إحصائي؛ إنه مؤشر على أزمة هيكلية تتعمق في سوق الإسكان السعودي. الأرقام التفصيلية تكشف جانباً لافتاً: إيجار الشقق ارتفع بنسبة 6.48%، وإيجار أدوار الفيلات بنسبة 9.55%، وهي مستويات تتجاوز بكثير نمو الأجور في معظم القطاعات. ما يعني ذلك عملياً أن شريحة واسعة من المقيمين والمواطنين ذوي الدخل المتوسط يتآكل دخلهم الحقيقي بصمت. وحين نضع هذا في سياق مسيرة التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة - من استقطاب الكفاءات الأجنبية إلى ضخ الاستثمارات في المشاريع العملاقة - يتضح أن الطلب على السكن في تصاعد بنيوي لا موسمي، وأن الفجوة بين العرض والطلب لن تنسد قريباً دون تدخل مدروس في جانب المعروض العقاري.
ثانياً: الرياض، اقتصاد في طريق الانفصال عن بقية المملكة
معدل تضخم بلغ 3.33% في الرياض مقابل 0.08% في المنطقة الشرقية، وهو تفاوت لا يمكن تفسيره بعوامل موسمية أو عرضية. البيانات تمتد على امتداد عام كامل: الرياض تتصاعد، والمنطقة الشرقية تتراجع. هذا التباين الجغرافي الحاد يُنبئ بنشوء "اقتصادين" داخل المملكة: اقتصاد العاصمة المُسرَّع بفعل النفقات الحكومية الضخمة والمشاريع الكبرى وتمركز الاستثمارات الأجنبية، واقتصاد المناطق الأخرى الذي يسير بإيقاع أكثر تقليدية. على المدى البعيد، إذا استمر هذا الانقسام دون معالجة، فإنه يُرسّخ فجوات في تكلفة المعيشة تُثبّط الحراك السكاني وتُعيق توزيع الثروة على المستوى الجغرافي.
ثالثاً: ارتفاع المجوهرات 28% .. ليس رفاهية، بل مؤشر ثروة وتحوّط
قد يبدو ارتفاع أسعار المجوهرات والساعات بنسبة 28.1% ظاهرةً استهلاكية عابرة، غير أن قراءته في سياقه الصحيح تكشف أبعاداً مختلفة. الذهب عالمياً يُسجّل مستويات قياسية متتالية في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي والمخاوف من تقلبات العملات، والمجتمع السعودي تاريخياً يتعامل مع الذهب والمجوهرات بوصفها وعاءً للادخار والثروة لا مجرد زينة. ما نراه إذاً ليس موجة استهلاك ترفي، بل سلوك تحوط اقتصادي واعٍ لدى فئات اجتماعية تسعى لحماية مدخراتها من التضخم. وهو مؤشر ضمني على أن الثقة في أدوات الادخار التقليدية كالودائع المصرفية لا تزال محدودة لدى شريحة من المجتمع.
رابعاً: التضخم السعودي في 2026 بين الهدوء والضغوط
المشهد الكلي يحمل تباينات : معدل تضخم عام يبدو "معتدلاً" عند 1.8%، لكن داخله قطاعات تشتعل وأخرى تبرد. انخفاض أسعار الخضروات 6% وتراجع الأغذية شهرياً 0.6% يُسهم في تلطيف الرقم الإجمالي، فيما تواصل الإيجارات والنقل والتأمين الصعود. هذا ما يُسمى اقتصادياً بـ"التضخم المركّب" أو التضخم ذو التوزيع غير المتساوي؛ حيث يشعر أصحاب الدخل المحدود بضغط أشد بكثير مما يُظهره المعدل الرسمي، لأن نفقاتهم تتمركز في السكن والنقل والغذاء وهي القطاعات الأكثر اشتعالاً. أما في الأفق، فإن استمرار المشاريع الكبرى ونمو الطلب الاستهلاكي المرتبط بارتفاع الدخول يُبقيان على ضغوط سعرية هيكلية، ما يجعل توقع عودة التضخم إلى ما دون 1.5% في المدى المنظور أمراً غير مرجح.
المصادر والمراجع
ملاحظة تحريرية
تنبيه مهم
يرجى الاطلاع على الشروط والأحكام.
© 2025 EcoPulse24. جميع الحقوق محفوظة.