الجزائر تقر أكبر موازنة في تاريخها: 135 مليار دولار لعام 2026
الجزائر تقر أكبر موازنة بتاريخها لعام 2026 بقيمة 135 مليار دولار، مع زيادة الإنفاق ودعم النمو رغم استمرار العجز المالي الكبير.
الجزائر - EcoPulse24
وقّع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في ديسمبر 2025 على أكبر موازنة في تاريخ البلاد بقيمة 135 مليار دولار أمريكي لعام 2026، في خطوة تعكس التوجه الحكومي نحو تعزيز الإنفاق العام لدعم النمو الاقتصادي والاستثمارات الضخمة.
قفزة تاريخية في الإنفاق الحكومي
تمثل موازنة 2026 زيادة حادة بقيمة 8 مليارات دولار مقارنة بموازنة 2025 التي بلغت 128 مليار دولار، وقفزة هائلة من موازنة 2024 البالغة 113 مليار دولار. وتشكل هذه الأرقام تناقضاً صارخاً مع موازنة 2021 التي لم تتجاوز 65 مليار دولار، مما يعكس التوسع الكبير في الإنفاق الحكومي منذ جائحة كوفيد-19.
يأتي هذا الإنفاق الضخم في إطار استراتيجية الحكومة الجزائرية لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على قطاع المحروقات الذي لا يزال يمثل نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي و90% من الصادرات وثلث الإيرادات المالية للدولة.
المؤشرات الرئيسية للموازنة
توقعات النمو الاقتصادي:
- 2026: نمو متوقع بنسبة 4.1%
- 2027: نمو متوقع بنسبة 4.4%
- 2028: نمو متوقع بنسبة 4.5%
تستند هذه التوقعات إلى سعر مرجعي للنفط يبلغ 60 دولاراً للبرميل، مع توقعات بانخفاض حجم صادرات المحروقات بنسبة 2%، إلا أن الحكومة تعول على النمو التدريجي في الأنشطة الاقتصادية غير النفطية.
الناتج المحلي الإجمالي:
من المتوقع أن يصل الناتج المحلي الإجمالي للجزائر إلى:
- 2026: 322 مليار دولار (41,878.3 مليار دينار جزائري)
- 2027: 308 مليارات دولار
أبرز بنود الإنفاق
1. الرواتب والأجور (أكثر من ثلث الموازنة):
- مخصصات رواتب القطاع العام: 5.9 تريليون دينار جزائري
- زيادة قدرها 83 مليار دينار عن موازنة 2025
- تعكس التزام الحكومة بتحسين دخول الموظفين الحكوميين
2. التحويلات المباشرة والدعم:
- تحويلات للمؤسسات العامة: 2.8 تريليون دينار
- برامج اجتماعية: 2.3 تريليون دينار
- دعم السلع الأساسية والبرامج الاجتماعية
3. الاستثمارات الرأسمالية:
- إنفاق استثماري يتجاوز 31 مليار دولار
- مشاريع بنية تحتية ضخمة بقيمة 50 مليار دولار في الاستثمارات العامة
- شبكات سكك حديدية في المناطق النائية
- محطات تحلية المياه
- مشاريع الطاقة المتجددة
4. الدفاع والأمن القومي:
خصصت الموازنة رقماً قياسياً للدفاع الوطني يتراوح بين 24.6 و27 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 20% من إجمالي الإنفاق الحكومي، مما يجعلها أكبر ميزانية دفاع في منطقة المغرب العربي، متجاوزة بكثير نظيرتها في المغرب (13.4 مليار دولار) وتونس (1.4 مليار دولار).
5. سداد الديون:
- 10 مليارات دولار لسداد الديون الخارجية
- 10 مليارات دولار لسداد الديون المحلية
العجز المالي: التحدي الأكبر
على الرغم من الإيرادات الضخمة من المحروقات، تتوقع الحكومة عجزاً في الموازنة قدره:
- 2026: 5.2 تريليون دينار (حوالي 40 مليار دولار)، أي 12.4% من الناتج المحلي الإجمالي
- 2025: 61 مليار دولار، أي 21% من الناتج المحلي الإجمالي
يأتي هذا العجز الكبير في سياق استمرار الإنفاق الحكومي المرتفع على البرامج الاجتماعية والبنية التحتية، في وقت تشهد فيه أسعار الغاز الطبيعي العالمية اتجاهاً تنازلياً.
الإصلاحات الضريبية والحوافز الاقتصادية
تتضمن الموازنة مجموعة من الإجراءات الضريبية والاقتصادية:
الإعفاءات الضريبية:
- إعفاءات ضريبية مؤقتة على واردات مختارة من السلع الأساسية
- تخفيض الضرائب على أرباح الأسهم
- إعفاءات للواردات المرتبطة بالاستثمار
- دعم الشركات الناشئة
مكافحة التهرب الضريبي:
- إجراءات لمنع الاحتيال الضريبي
- مبادرات مكافحة الفساد
- تحسينات في بيئة الأعمال
- تبسيط الإجراءات الضريبية
تعديلات على الرسوم:
- تعديلات على ضرائب الوقود والسلع الكمالية
- أنظمة جديدة للعقارات
- تشديد القواعد على إعلانات العملات الأجنبية ونقل المعادن الثمينة
الاقتصاد غير الرسمي: التحدي الخفي
تقدر الحكومة الجزائرية أن الاقتصاد غير الرسمي يمثل ما بين 50 و60 مليار دولار من المعاملات، أي ما يعادل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي. وتسعى الموازنة الجديدة إلى دمج هذا القطاع من خلال:
- تنظيم المستوردين الصغار غير المعلنين
- قوانين جديدة لتسوية أوضاع المستوردين الصغار (تجارة "الكاباس")
- تشديد الرقابة الجمركية في المطارات والموانئ
المشاريع الإستراتيجية الكبرى
1. الشراكات الدولية:
قطر: استثمارات بقيمة 3.5 مليار دولار في مشاريع الألبان والأغذية
تركيا: استثمارات بقيمة 6 مليارات دولار عبر قطاعات النسيج والتعدين والزراعة والمنتجات الكيماوية والصيدلانية
إيطاليا: مشاريع في صناعة السيارات والزراعة
2. قطاع الطاقة:
- اتفاقيات لتوريد الغاز إلى إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا
- مشاريع الطاقة المتجددة والنظيفة
- تقليل الانبعاثات والتسرب من الميثان
- مشروع أنبوب الهيدروجين SouthH2 Corridor
3. البنية التحتية:
- خط سكة حديد بطول 1,000 كيلومتر لخدمة أكبر منجم في الجزائر
- محطات تحلية المياه
- شبكات سكك حديدية في المناطق النائية مثل بشار
دعم ريادة الأعمال والشباب
نمو الشركات الناشئة:
- ارتفاع عدد الشركات الناشئة من 200 في 2019 إلى 700 في 2024
- تمويل يقارب مليار دولار عبر مراحل التمويل المختلفة
- هدف إنشاء 20,000 شركة ناشئة بحلول نهاية ولاية الرئيس تبون
الإصلاحات التشريعية:
- قوانين لتبسيط إجراءات الاستثمار
- نظام ضريبي تفضيلي لرواد الأعمال الشباب
- آليات تمويل ميسرة للمعدات
- إدراج في أنظمة الضمان الاجتماعي
- تسجيل تجاري مبسط عبر الإنترنت
التحديات الاقتصادية المستقبلية
1. الاعتماد على المحروقات:
- النفط والغاز يشكلان 96% من الصادرات
- أكثر من 60% من إيرادات الحكومة
- احتياطيات النقد الأجنبي انخفضت من حوالي 200 مليار دولار قبل عقد إلى 72 مليار دولار في 2024
2. التضخم:
- توقعات بارتفاع التضخم إلى 5.5% في 2025
- ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل خاص
- 25% من إيرادات المحروقات في 2025 أُنفقت على استيراد المواد الغذائية الأساسية
3. البطالة:
- معدل البطالة الإجمالي: 12.3%
- بطالة النساء: 21.5%
- بطالة الشباب (15-24 سنة): 31.3%
4. الديون العامة:
- من المتوقع أن تصل نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 53.9% بحلول 2026
- انخفضت من 62.1% في 2021 إلى 45.7% في 2024
السياق الإقليمي والدولي
التوترات الدبلوماسية:
تواجه الجزائر تحديات دبلوماسية مع:
- فرنسا: بسبب موقفها من قضية الصحراء الغربية والهجرة غير الشرعية
- المغرب: التنافس الإقليمي المستمر
- دول الساحل: (مالي والنيجر وبوركينا فاسو) بسبب جاذبية المبادرة الأطلسية المغربية
- الإمارات: التوافق مع المغرب في منطقة الساحل
الشراكات الإستراتيجية:
على الرغم من التحديات، تسعى الجزائر لتعزيز علاقاتها مع:
- أوروبا: كمورد رئيسي للغاز (14% من واردات الاتحاد الأوروبي)
- الولايات المتحدة: تعاون عسكري واقتصادي متزايد
- الصين وروسيا: شراكات في الطاقة والدفاع
- تركيا وقطر: استثمارات في قطاعات متعددة
التحول الاقتصادي: بين الطموح والواقع
تشير المؤشرات إلى أن الجزائر تمر بمرحلة انتقالية تدريجية من اقتصاد يعتمد على الواردات الضخمة إلى اقتصاد قائم على الإنتاج المحلي والابتكار. ومع ذلك، تبقى نتائج هذا التحول غير مؤكدة في ظل:
التحديات البيروقراطية:
- تأخير في معالجة الموافقات على المشاريع
- ضعف استجابة الإدارة
- مقاومة من النخب البيروقراطية المحلية
هجرة العقول:
فقدت الجزائر نحو نصف مليون من المهندسين والأطباء والباحثين والعلماء ذوي الكفاءات العالية، بما يعادل خسارة ثروة وإنتاج علمي بقيمة 465 مليار دولار.
الضغوط الديموغرافية:
- عدد السكان وصل إلى 46.7 مليون في يناير 2025
- نمو سكاني بمعدل 2.15% سنوياً
- إضافة نحو 900,000 شخص سنوياً
رؤية مستقبلية
تعكس موازنة 2026 الطموحات الكبيرة للحكومة الجزائرية في:
- تنويع مصادر الدخل بعيداً عن الاعتماد شبه الكلي على المحروقات
- خلق فرص عمل للشباب من خلال دعم الشركات الناشئة
- تطوير البنية التحتية لتحسين الربط الإقليمي
- تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الواردات
- جذب الاستثمارات الأجنبية من خلال إصلاحات تشريعية
لكن نجاح هذه الرؤية يتطلب:
- إدارة العجز المالي الكبير بشكل مستدام
- الموازنة بين احتياجات المستثمرين وحماية المصالح الوطنية
- التنقل في المشهد الجيوسياسي المعقد بفعالية
- معالجة التحديات البيروقراطية التي تعيق الاستثمار
الخلاصة
تمثل موازنة 135 مليار دولار لعام 2026 أكبر رهان اقتصادي في تاريخ الجزائر الحديث. فهي تعكس إصرار القيادة الجزائرية على إحداث تحول اقتصادي جذري، لكنها تحمل أيضاً مخاطر كبيرة في ظل عجز مالي متزايد واعتماد مستمر على إيرادات المحروقات المتقلبة.
ستكون السنوات القادمة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الجزائر قادرة على تحقيق التوازن المطلوب بين الطموحات التنموية والواقع الاقتصادي، وبين الحفاظ على السيادة الوطنية وجذب الاستثمارات الدولية، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات جيوسياسية عميقة.
المصادر والمراجع
مبادرة الإصلاح العربي (Arab Reform Initiative)
رويترز
اتحاد الغرف العربية
وزارة المالية الجزائرية
البنك الدولي
تاريخ النشر: 11 يناير 2026
ملاحظة تحريرية
تنبيه مهم
يرجى الاطلاع على الشروط والأحكام.
© 2025 EcoPulse24. جميع الحقوق محفوظة.