الصين: الخاسر الأكبر في حرب إيران

الصين تواجه أزمة طاقة حادة بسبب حرب إيران، إذ تهدد إمدادات النفط الرخيص عبر هرمز وتضغط على اقتصادها الصناعي.

شارك
الصين: الخاسر الأكبر في حرب إيران
الصين: الخاسر الأكبر في أزمة الطاقة بسبب حرب إيران

أكبر مستورد للنفط في العالم يواجه صدمة وجودية في أمن الطاقة

تحليل خاص | طاقة وأسواق

في الوقت الذي تتصاعد فيه ألسنة اللهب في سماء طهران، وتتراكم أعمدة الدخان فوق مضيق هرمز، يتبيّن بوضوح أن أكبر الخاسرين في هذه الحرب لا يقيم في الشرق الأوسط بل يجلس خلف مكاتبه في بكين. الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم وأكبر مشترٍ للخام الإيراني على وجه التحديد، تجد نفسها في قلب عاصفة لم تصنعها ولم تخترها، لكنها ستدفع ثمنها باهظاً ومضاعفاً.

ضربات الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير 2026 أطلقت رداً إيرانياً واسعاً طال دولاً خليجية عدة، ووضعت بكين أمام مأزق من ثلاثة محاور متداخلة: خسارة المورّد الأرخص، وتهديد ممر الشحن الأهم، وضغط تضخمي على اقتصاد يحاول بالكاد استعادة زخمه.

الاعتماد الهائل: أرقام لا تحتمل التأويل

المؤشر الرقم المصدر
حصة الصين من صادرات إيران النفطية +80% كيبلر 2025
متوسط المشتريات الصينية من إيران يومياً 1.38 مليون برميل كيبلر 2025
نسبتها من إجمالي واردات الصين البحرية 13.4% كيبلر
حصة هرمز من إجمالي واردات الصين النفطية 50% CNBC / راند

تشتري الصين ما يزيد على 80% من إجمالي صادرات إيران النفطية البحرية، بمعدل 1.38 مليون برميل يومياً، ما يمثّل نحو 13.4% من إجمالي واردات الصين البحرية البالغة 10.27 مليون برميل يومياً. وبالنسبة لأكبر مستورد للنفط في العالم، هذا الرقم ليس هامشياً بل ركيزة استراتيجية في بنية أمن الطاقة الصيني.

الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، تستورد نصف احتياجاتها من النفط الخام عبر مضيق هرمز. فالمملكة العربية السعودية والعراق والإمارات والكويت وقطر جميعها تشحن صادراتها إلى آسيا عبر هذا الممر الضيق. مع توقف حركة الشحن فعلياً في المضيق، وجدت بكين نفسها تحت تهديد مزدوج: انقطاع النفط الإيراني الرخيص، وإغلاق محتمل لشريان نصف احتياجاتها.

"مصافي الشاي": عمود النموذج الصيني في خطر

المصافي المستقلة الصينية المعروفة بـ"مصافي الشاي"، المتمركزة أساساً في مقاطعة شاندونغ، هي المشتري الأساسي للنفط الإيراني المقاطَع، مدفوعةً بخصومات مقارنةً بالخام غير المقاطَع. وهي تمثّل نحو ربع الطاقة التكريرية الصينية الإجمالية، وتعمل بهوامش ربح ضيقة أو سالبة أحياناً.

"حصة الأسد من صادرات إيران النفطية تذهب إلى الصين، لذا فهي الأكثر تضرراً. لكن في الوقت ذاته، تمتلك الصين مستوى مخزون صحياً يحميها من أي نقص فوري." أمينة بكر، رئيسة أبحاث الشرق الأوسط والطاقة، كيبلر

الشركات النفطية الحكومية الكبرى الصينية امتنعت عن شراء النفط الإيراني مباشرةً منذ عامَي 2018 و2019 تفادياً للعقوبات الأمريكية. وقد تُرك هذا الدور كلياً لمصافي الشاي التي تعمل عبر شبكات معقدة من ناقلات الظل وعمليات نقل شحنة بين سفينتين في عرض البحار، وإعادة تسمية الخام في موانئ وسيطة كماليزيا وإندونيسيا. وفقاً لبيانات كيبلر، بلغ الخصم على الخام الإيراني الخفيف ما بين 8 و10 دولارات للبرميل مقارنةً بخام عُمان غير المقاطَع. والآن، مع اشتعال الحرب، يواجه هذا النموذج بأكمله خطر الانهيار.

المخزونات الاستراتيجية: حواجز مؤقتة لأزمة مزمنة

يوجد أكثر من 46 مليون برميل من النفط الإيراني على متن ناقلات في آسيا حالياً، قرابة 80% منها تنتظر عند مضيق سنغافورة وقبالة السواحل الصينية. كما كدّست الصين النفط الخام في مواقع برية بوتيرة متسارعة خلال العام الماضي، بما في ذلك للتخزين الاستراتيجي.

غير أن هذا الحاجز محدود بطبيعته. إغلاقٌ كامل لمضيق هرمز سيُفضي إلى خسارة صافية تتراوح بين 8 و10 ملايين برميل يومياً من إمدادات الخام العالمية، حتى بعد احتساب المسارات البديلة كخط أنابيب السعودية شرق-غرب وخط أبوظبي-الفجيرة، وفقاً لاقتصادي رايستاد إينرجي خورخي ليون. وفي هذا السيناريو، ستجد الصين نفسها في قلب معركة تنافسية شرسة على الموارد المتاحة.

التضخم الصناعي: جرح في عمق الاقتصاد

أي اضطراب في تدفق الطاقة عبر هرمز سيرفع تكاليف الوقود ومصاريف المصانع بشكل مباشر، في وقت تستند الصين على قطاعيها التصديري والتصنيعي لإنعاش نموها الاقتصادي. وستكون للصدمة آثار تضخمية حادة على الاقتصاد العالمي بأسره.

"الإغلاق الكامل لمضيق هرمز يعني ركوداً عالمياً مضموناً." بوب مكنالي، المستشار الأمريكي السابق في الطاقة، مؤسس راباديان إينرجي

تقدّر لومبار أوديه أن ارتفاعاً مستداماً بنسبة 20-30% في أسعار الخام قد يُخفض النمو الاقتصادي العالمي بمقدار 0.5 إلى 1.0 نقطة مئوية، مع رفع مؤشرات التضخم بالقدر ذاته وهو سيناريو بالغ الخطورة على اقتصاد يسعى للحفاظ على معدل نمو قريب من 5%.

روسيا تكسب... والصين تدفع الفاتورة

الصراع يُحسّن الموقف التنافسي لروسيا في أسواق النفط الخام. مع تعطّل موارد الشرق الأوسط، تجد كلٌّ من الهند والصين دوافع قوية لتعميق اعتمادهما على الإمدادات الروسية. غير أن النفط الروسي وإن كان مقاطَعاً هو الآخر من الغرب يُباع بسعر أعلى من الخام الإيراني ولا يُتيح الخصم ذاته. بعبارة أخرى، الصين ستضطر إلى دفع ثمن أعلى لمورّد بديل، ما يمحو ميزة "الحوض الرخيص" التي بنت عليها استراتيجية طاقتها لسنوات.

بيانات كيبلر وفورتيكسا رصدت بالفعل ميلاً صينياً للتحوّل نحو النفط الروسي عوضاً عن الإيراني في فبراير الماضي، في خضم أزمة الناقلات الفنزويلية. والآن يتكرر السيناريو بحجم أضخم بكثير وضغط أشد وطأة.

خلاصة: اختبار لاستراتيجية طاقة بنتها الصين خلال عقد كامل

ما كان نموذجاً ذكياً للحصول على طاقة رخيصة من دول مقاطَعة بات اليوم عبئاً استراتيجياً. الصين رهنت ربع طاقتها التكريرية بمورّد واحد يشتعل الآن في حرب مع أمريكا، وبنت نصف استيرادها النفطي على ممر بات على حافة الإغلاق.

الاحتياطيات الاستراتيجية ستمنح بكين وقاءً في الأمد القريب، لكنها تتخذ موقف التقييم والانتظار قبل الاستجابة الحاسمة حين يتضح حجم الاضطراب الفعلي. أما على المدى البعيد، فقد تكون هذه الحرب اللحظة التي تُعيد فيها الصين رسم خارطة أمن طاقتها بالكامل مدفوعةً لا باختيار استراتيجي هادئ، بل بضغط جيوسياسي لم تُحسب حساباته.


هيئة تحرير EcoPulse24 | ecopulse24.com

المصادر والمراجع
2026 المصادر: رويترز | بلومبرغ | كيبلر | CNBC | الجزيرة | OPIS | بيزنس توداي
ملاحظة تحريرية
تحرير ومراجعة فريق تحرير EcoPulse24 3/2/2026, 10:52:08 UTC
تنبيه مهم
المحتوى الذي تقدمه EcoPulse24 مخصص للأغراض الإعلامية والتعليمية فقط ولا يشكّل نصيحة مالية أو استثمارية أو قانونية أو ضريبية أو أي نوع آخر من الاستشارات المهنية. تعكس جميع الآراء المطروحة وجهة نظر فريق التحرير في EcoPulse24 ولا تمثل آراء أي مزودي بيانات أو مؤسسات خارجية. تنطوي الاستثمارات على مخاطر، بما في ذلك احتمال خسارة رأس المال. الأداء السابق لا يضمن النتائج المستقبلية. ينبغي على القراء إجراء العناية الواجبة الخاصة بهم واستشارة مستشارين مهنيين مؤهلين قبل اتخاذ أي قرارات استثمارية. لا تتحمل EcoPulse24 أو شركاتها التابعة أو محرروها أو المساهمون فيها أي مسؤولية عن الأخطاء أو الإغفالات أو أي خسائر أو أضرار قد تنشأ عن استخدام هذه المعلومات.
يرجى الاطلاع على الشروط والأحكام.

© 2025 EcoPulse24. جميع الحقوق محفوظة.