تصاعد الحرب الأميركية الإيرانية يعيد تسعير النفط والمخاطر العالمية ويضع أسواق الخليج أمام اختبار حاسم
تصاعد التوتر الأميركي الإيراني رفع أسعار النفط وأثر على أسواق الخليج، مع مخاوف من أزمة اقتصادية إذا طال تعطل مضيق هرمز.
دبي | EcoPulse24
تحولت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران إلى نقطة ارتكاز جديدة للأسواق العالمية، بعدما انتقلت من نطاق المخاطر الطرفية إلى صلب تسعير الأصول، مع اتساع نطاق الضربات والردود العسكرية، وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، واستهداف مواقع داخل عدد من دول الخليج. التطورات الأخيرة لم تعد حدثًا جيوسياسيًا معزولًا، بل أصبحت متغيرًا اقتصاديًا يعيد رسم خريطة المخاطر العالمية، بدءًا من الطاقة والتضخم وصولًا إلى تدفقات رؤوس الأموال وأسعار الفائدة.
النفط في قلب المعادلة
كان خام برنت يتداول قرب 73 دولارًا للبرميل قبل عطلة نهاية الأسبوع، مرتفعًا بنحو 20% منذ بداية العام. إلا أن التعاملات خارج المنصات الرسمية خلال عطلة نهاية الأسبوع أظهرت قفزة تقارب 10% ليلامس مستوى 80 دولارًا، وسط توقعات من محللين بأن تقترب الأسعار من 100 دولار للبرميل في حال استمرار تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
يمر عبر المضيق نحو 13 مليون برميل يوميًا من الخام، أي ما يقارب 31% من تدفقات النفط المنقولة بحرًا عالميًا، بينما يصل إجمالي النفط والمنتجات العابرة إلى نحو 20 مليون برميل يوميًا، بما يعادل 20% من الطلب العالمي. أي انقطاع فعلي ومستمر في هذه التدفقات قد يؤدي إلى فقدان صافي يتراوح بين 8 و10 ملايين برميل يوميًا، وفق تقديرات مؤسسات طاقة، حتى مع وجود خطوط أنابيب بديلة مثل خط الأنابيب السعودي شرق–غرب وخط تصدير أبوظبي.
الأداء في أسواق الأسهم
مع بداية التداولات الإقليمية، تعرضت الأسهم السعودية والمصرية لضغوط واضحة. سجل مؤشر السوق السعودية الرئيسية تراجعًا بنسبة 2.2% في إحدى الجلسات، وهو أكبر انخفاض يومي منذ أبريل، ليمحو مكاسبه المسجلة منذ بداية العام. ورغم هذا التراجع، حدّ صعود سهم أرامكو من عمق الخسائر، مستفيدًا من توقعات ارتفاع أسعار النفط. ويشكل سهم أرامكو نحو 16% من الوزن النسبي للمؤشر، ما منحه تأثيرًا مباشرًا على أداء السوق.
في مصر، انخفض المؤشر الرئيسي بنسبة 2.5%، مواصلًا مساره الهابط منذ منتصف فبراير، لتتجاوز خسائره 8% خلال تلك الفترة. كما تراجع الجنيه المصري إلى نحو 48.8 مقابل الدولار، وهو أضعف مستوى منذ منتصف 2025، في ظل ضغوط مزدوجة ناجمة عن التوترات الإقليمية وتوقف إمدادات الغاز من إسرائيل، ما دفع القاهرة إلى تسريع استيراد شحنات الغاز الطبيعي المسال استعدادًا لفصل الصيف.
أما في الخليج، فقد قررت بورصتا الكويت وقطر تعليق التداول كإجراء احترازي، بينما أعلن سوق دبي المالي إيقاف التداول ليومي الاثنين والثلاثاء التزامًا بقرار هيئة الأوراق المالية والسلع في دولة الإمارات. في المقابل، واصل السوق السعودي نشاطه التشغيلي، ما جعله أول منصة إقليمية تعكس تسعير المخاطر في الوقت الفعلي.
العملة والملاذات الآمنة
التحول في المزاج الاستثماري عالميًا اتجه نحو تبني استراتيجية “الملاذ أولًا”. ارتفع الذهب بنحو 22% منذ بداية العام، مدعومًا بتزايد الطلب على التحوط من المخاطر الجيوسياسية والتضخم. كما شهدت سندات الخزانة الأميركية تدفقات دفاعية، فيما صعد الفرنك السويسري بنحو 3% مقابل الدولار. في المقابل، أظهرت الأسهم العالمية هشاشة واضحة، مع توقعات بانخفاض يتراوح بين 1% و2% في المؤشرات الكبرى عند عودة التداول الكامل.
العامل الحاسم: مدة التعطل
التاريخ الحديث يشير إلى أن الأسواق قادرة على امتصاص صدمات جيوسياسية قصيرة الأجل، كما حدث خلال جولات سابقة من التصعيد. إلا أن الفرق في الأزمة الحالية يتمثل في عنصر الملاحة والطاقة. استمرار تعطل مضيق هرمز أو استهداف منشآت إنتاج في دول الخليج قد ينقل الأزمة من “علاوة مخاطر مؤقتة” إلى صدمة عرض نفطي عالمية.
في حال وصول الأسعار إلى نطاق 100 دولار واستمرارها، قد ترتفع معدلات التضخم العالمي بما يتراوح بين 0.6 و1 نقطة مئوية، وفق تقديرات مؤسسات بحثية، ما يعيد تعقيد مسار خفض الفائدة في الاقتصادات الكبرى. كما قد يتعرض النمو العالمي لضغوط تتراوح بين 0.5 و1 نقطة مئوية إذا استمر الارتفاع لفترة ممتدة.
المفارقة الخليجية
رغم أن ارتفاع أسعار النفط يعزز الإيرادات الحكومية في دول الخليج على المدى القصير، إلا أن التقلبات الممتدة تحمل مخاطر مختلفة. ارتفاع علاوة المخاطر قد يزيد تكلفة الاقتراض السيادي وتمويل المشاريع الكبرى، ويؤثر في تدفقات الاستثمار الأجنبي، خصوصًا في مرحلة تسعى فيها الاقتصادات الخليجية إلى تسريع برامج التنويع.
تحليل EcoPulse24:
الأسواق لم تعد تتعامل مع التصعيد كحدث عسكري منفصل، بل كعامل يعيد تسعير الطاقة والتضخم والنمو في آن واحد. استمرار التداول في السعودية مقابل تعليق بعض الأسواق الخليجية يعكس اختلاف استراتيجيات إدارة الأزمة، لكنه يؤكد أن المنطقة أصبحت مركز تسعير المخاطر العالمية في الوقت الراهن. المتغير الحاسم سيظل مرتبطًا بتدفقات النفط والملاحة عبر هرمز؛ فإذا بقي التعطل محدودًا زمنيًا، قد تستقر الأسواق تدريجيًا، أما إذا طال أمده، فإننا أمام صدمة اقتصادية أوسع تعيد تشكيل مسار 2026 بأكمله.
المصادر والمراجع
ملاحظة تحريرية
تنبيه مهم
يرجى الاطلاع على الشروط والأحكام.
© 2025 EcoPulse24. جميع الحقوق محفوظة.