الصين تهيمن على سباق التصنيع العالمي.. وOECD تحذر من «منشطات صناعية» تعيد رسم الاقتصاد العالمي
OECD تكشف أن الشركات الصينية تتلقى دعماً حكومياً يفوق منافسيها بما يصل إلى ثمانية أضعاف، محذرة من تأثير «المنشطات الصناعية» على المنافسة والاقتصاد
باريس | EcoPulse24
حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) من أن الدعم الحكومي الصناعي بات يعيد تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي بوتيرة غير مسبوقة منذ الأزمة المالية العالمية، مشيرة إلى أن الصين أصبحت اللاعب الأبرز في هذا التحول عبر مستويات دعم تفوق ما تقدمه الاقتصادات المتقدمة الأخرى بفارق كبير.
وكشفت المنظمة في دراسة جديدة أن الإعانات الحكومية الموجهة لكبرى الشركات الصناعية حول العالم بلغت خلال عامي 2023 و2024 أعلى مستوياتها منذ عام 2008، في مؤشر على تحول هيكلي عميق في طريقة تنافس الاقتصادات الكبرى على حصص السوق والتفوق الصناعي.
وتشير البيانات إلى أن الشركات الصينية تلقت دعماً حكومياً يتراوح بين ثلاثة وثمانية أضعاف ما تحصل عليه الشركات في الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهو فارق يعكس حجم الرهان الصيني على تعزيز قدراتها الصناعية في القطاعات الاستراتيجية.
أرقام تكشف حجم التحول
استندت الدراسة إلى تحليل بيانات 525 من أكبر المجموعات الصناعية العاملة في 15 قطاعاً رئيسياً حول العالم، شملت السيارات وأشباه الموصلات والطاقة المتجددة والصناعات الثقيلة.
ووفقاً للمنظمة، بلغ إجمالي الدعم الحكومي المرصود للقطاعات المشمولة بالدراسة نحو 108 مليارات دولار خلال عام 2024.
أبرز المؤشرات
المؤشر القيمة
إجمالي الدعم الصناعي المرصود في 2024 108 مليارات دولار
عدد الشركات المشمولة بالدراسة 525 شركة
عدد القطاعات الصناعية 15 قطاعاً
الدعم للشركات الصينية مقارنة بدول OECD 3 إلى 8 أضعاف
حصة مكاسب السوق الناتجة عن الدعم عالمياً 22%
حصة مكاسب السوق للشركات الصينية الناتجة عن الدعم نحو 60%
وأظهرت الدراسة أن الدعم الحكومي لم يعد مجرد عامل مساعد للشركات، بل أصبح عنصراً رئيسياً في تحديد الفائزين والخاسرين في الأسواق العالمية.
فقدرت المنظمة أن نحو 22% من مكاسب الحصة السوقية التي حققتها الشركات بين عامي 2005 و2023 كانت مرتبطة بشكل مباشر بالدعم الحكومي.
أما في حالة الشركات الصينية، فتقترب هذه النسبة من 60%، ما يشير إلى دور محوري للدولة في تعزيز القدرة التنافسية للقطاع الصناعي الصيني.
الرقائق والطاقة المتجددة في صدارة المستفيدين
أوضحت البيانات أن قطاعات الطاقة المتجددة وأشباه الموصلات والصناعات الثقيلة كانت الأكثر استفادة من برامج الدعم الحكومية.
وفي قطاع الرقائق تحديداً، أظهرت الدراسة أن متوسط الدعم الذي حصلت عليه الشركات الصينية العاملة في أشباه الموصلات بلغ ما يقارب 10% من الإيرادات خلال عامي 2021 و2022.
وفي المقابل، بلغ المتوسط العالمي لهذه الصناعة نحو 2% فقط من الإيرادات.
وتعكس هذه الفجوة حجم الاستثمار الذي تضخه بكين في القطاعات التي تعتبرها محورية لتحقيق الاستقلال التكنولوجي وتعزيز النفوذ الاقتصادي العالمي.
خلفية التوترات التجارية
تأتي نتائج الدراسة في وقت تتصاعد فيه الخلافات التجارية بين الصين والاقتصادات الغربية.
فقد أصبحت قضية الدعم الحكومي أحد أبرز الملفات الخلافية بين بكين من جهة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.
وتتهم واشنطن وبروكسل الصين بتوفير مزايا غير عادلة لشركاتها الصناعية، خصوصاً في قطاعات السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة النظيفة وأشباه الموصلات.
وتواجه شركات أوروبية وأمريكية ضغوطاً متزايدة للحفاظ على حصصها السوقية في مواجهة منافسين صينيين مثل BYD وChery، اللتين واصلتا توسيع حضورهما داخل الأسواق العالمية خلال السنوات الأخيرة.
من «السوق الحرة» إلى «الدولة الصناعية»
وصفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الظاهرة بمصطلح "Industrial Doping" أو "المنشطات الصناعية"، في إشارة إلى أن الدعم الحكومي قد يسمح لشركات أقل كفاءة بتحقيق مكاسب على حساب شركات أكثر ابتكاراً وإنتاجية.
وقالت المنظمة إن هذه السياسات قد تمنح المستهلكين أسعاراً أقل على المدى القصير، لكنها قد تفرض تكاليف طويلة الأجل على الاقتصاد العالمي من خلال إضعاف المنافسة وتقليص الحوافز المرتبطة بالابتكار والجودة.
كما أشارت الدراسة إلى أن زيادة الدعم لم تؤد بالضرورة إلى تحسين الإنتاجية أو الربحية، ما يثير تساؤلات بشأن كفاءة تخصيص الموارد الاقتصادية على المدى الطويل.
تحليل EcoPulse24
تكشف أرقام OECD أن العالم دخل بالفعل مرحلة جديدة من المنافسة الاقتصادية تختلف جذرياً عن النموذج الذي ساد خلال العقود الماضية.
فبعد سنوات كانت فيها الكفاءة وسلاسل التوريد العالمية والتجارة الحرة هي المحرك الرئيسي للنمو الصناعي، أصبحت الحكومات نفسها لاعباً مباشراً في تحديد مسار الصناعات الاستراتيجية.
واليوم لم تعد المنافسة تدور فقط بين الشركات العالمية الكبرى، بل بين الدول التي تمتلك القدرة على تمويل صناعاتها وحمايتها ودعم توسعها العالمي.
وتبدو الصين الأكثر تقدماً في هذا المسار، حيث استخدمت الدعم الحكومي كأداة لبناء قدرات إنتاجية ضخمة في السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة وأشباه الموصلات والتكنولوجيا المتقدمة.
لكن في المقابل، لم تعد الولايات المتحدة وأوروبا متمسكتين بالكامل بقواعد السوق الحرة التقليدية، إذ أطلقتا خلال السنوات الأخيرة برامج دعم واسعة النطاق مثل قانون الرقائق الأمريكي (CHIPS Act) وبرامج التحول الأخضر الأوروبية.
والنتيجة هي أن الاقتصاد العالمي يشهد تحولاً من عصر العولمة الصناعية إلى عصر التنافس الصناعي المدعوم من الدولة.
ويبقى السؤال الأهم للمستثمرين وصناع القرار: هل يقود هذا السباق إلى موجة جديدة من الابتكار والنمو، أم إلى اقتصاد عالمي أقل تنافسية وأكثر اعتماداً على الدعم الحكومي؟
المصادر والمراجع
ملاحظة تحريرية
تنبيه مهم
يرجى الاطلاع على الشروط والأحكام.
© 2025 EcoPulse24. جميع الحقوق محفوظة.