لماذا يهبط سعر الذهب الآن ؟
هبوط الذهب في مارس سببه بيع تركيا وخروج صناديق استثمار، مع تزايد طلب السيولة رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية.
لندن | EcoPulse24
بيع تركيا وخروج الصناديق يفسران هبوط الذهب رغم الحرب
تراجع الذهب خلال مارس لم يكن مجرد حركة تصحيح طبيعية أو ضعف في الطلب على الملاذات الآمنة، بل جاء نتيجة ضغط بيعي فعلي ومركّز تقوده عمليات بيع ومبادلة من البنك المركزي التركي، بالتزامن مع خروج قوي من صناديق الاستثمار المدعومة بالذهب، في تحول يكشف أن السوق بات يتفاعل مع ضغوط السيولة والدولار بقدر تفاعله مع التوترات الجيوسياسية. ووفق المعطيات المتاحة حتى 26 مارس، باع البنك المركزي التركي أو استخدم في عمليات مبادلة نحو 58 إلى 60 طنًا من الذهب خلال أسبوعين فقط بعد اندلاع الحرب مع إيران، بقيمة تتجاوز 8 مليارات دولار، ما أضاف ضغطًا مباشرًا على أسعار المعدن.
تركيا ظهرت كبائع فعلي ومؤثر في السوق خلال مارس
المعلومة الأوضح في السوق خلال النصف الثاني من مارس كانت الانخفاض الحاد في احتياطيات الذهب التركية، مع تراجع بنحو 6 أطنان في أسبوع 13 مارس ثم 52.4 طنًا أخرى في أسبوع 20 مارس، وهو أكبر هبوط أسبوعي منذ سنوات، بحسب البيانات المشار إليها في التقارير المتاحة. ولم يكن هذا التراجع مجرد إعادة تقييم، بل ارتبط ببيع مباشر وجزئيًا بعمليات swap للحصول على عملات أجنبية أو ليرة لدعم السيولة واستقرار العملة. هذه الخطوة تعكس انتقال الذهب من أصل احتياطي طويل الأجل إلى أداة تمويل طارئة في لحظة ضغط على الليرة وارتفاع فاتورة الطاقة واشتداد الطلب على الدولار.
صناديق الذهب لم تكن أقل أثرًا من البنك المركزي التركي
في الوقت نفسه، تعرضت صناديق الذهب الأمريكية الكبرى، وعلى رأسها SPDR Gold Shares (GLD)، لخروج حاد من الأموال خلال مارس، مع تدفقات خارجة تجاوزت 6 إلى 7 مليارات دولار في بعض التقديرات الشهرية، وانخفاض في الحيازات بأكثر من 60 طنًا خلال أسابيع قليلة. كما شهدت الصناديق الأمريكية المدعومة بالذهب خروجًا بنحو 4.5 مليارات دولار في أسبوع واحد، مع تراجع إضافي في حيازات صناديق مثل IAU وغيرها. هذه التحركات مهمة لأنها تمثل بيعًا سريعًا من المستثمرين المؤسساتيين والأفراد، أي أنها تضيف ضغطًا لحظيًا على السعر يفوق في سرعته سلوك البنوك المركزية التقليدي.
هذا لا يعني أن كل البنوك المركزية تحولت إلى البيع
رغم الضجيج الذي أحاط بهبوط الذهب، لا توجد حتى الآن دلائل واسعة على موجة بيع ضخمة من بنوك مركزية متعددة خلال الأسبوعين الماضيين. الاتجاه العام ما زال يشير إلى أن معظم البنوك المركزية، خاصة في الأسواق الناشئة، تبقى صافي مشترية للذهب في 2026، وإن كان بوتيرة أبطأ. كما أن روسيا، التي ظهرت في النقاشات الأخيرة، لم تُسجل وفق البيانات المتاحة بيعًا جديدًا وكبيرًا في مارس، بل كانت مبيعاتها الأساسية في يناير وفبراير فقط بنحو 15 طنًا إجمالًا، بينما اقتصرت مبيعات يناير المحدودة لدى بلغاريا وكازاخستان وقيرغيزستان على أحجام صغيرة لا تفسر هبوط مارس وحدها.
لماذا هبط الذهب رغم الحرب بدل أن يرتفع؟
الجواب هنا يكمن في طبيعة الصدمة نفسها. نظريًا، الحرب في الشرق الأوسط يجب أن تدعم الذهب كملاذ آمن، لكن ما حدث عمليًا هو أن الحرب رفعت أيضًا الطلب على الدولار، ورفعت تكاليف الطاقة، وأعادت تسعير مسار الفائدة والعوائد، ما خلق طلبًا على السيولة النقدية بدلًا من الاحتفاظ بالمعدن. وعندما اجتمع هذا العامل مع بيع تركيا وخروج الصناديق وجني الأرباح بعد موجة صعود قوية في يناير وفبراير، تحولت السوق من منطق “الملاذ الآمن” إلى منطق “تسييل المراكز” و”الدفاع عن العملات” و”الحاجة إلى الدولار”. هذا التغير هو ما جعل الذهب يفقد جزءًا كبيرًا من مكاسبه رغم بقاء المخاطر الجيوسياسية مرتفعة.
السوق بات يخشى من البيع الاضطراري أكثر من الصراع نفسه
الأخطر في حركة مارس ليس فقط ما حدث بالفعل، بل ما يخشاه السوق بعد ذلك. فبيع تركيا أرسل إشارة إلى أن بعض البنوك المركزية قد تضطر إلى استخدام الذهب إذا تعرضت عملاتها المحلية أو احتياطياتها الأجنبية لضغط إضافي. وحتى لو لم تظهر حتى الآن عمليات بيع واسعة من دول أخرى، فإن مجرد تحول الذهب إلى أداة سيولة لدى بعض الاقتصادات الناشئة يكفي لإضعاف شهية الشراء قصيرة الأجل ويدفع المتعاملين إلى إعادة تسعير المعدن على أساس تدفقات السيولة، لا على أساس الحرب وحدها.
| المؤشر | القيمة |
|---|---|
| بيع/مبادلة تركيا | نحو 58–60 طن |
| القيمة التقديرية | أكثر من 8 مليارات دولار |
| تراجع احتياطي تركيا – أسبوع 13 مارس | 6 أطنان |
| تراجع احتياطي تركيا – أسبوع 20 مارس | 52.4 طن |
| مبيعات روسيا في مارس | لا توجد دلائل كبيرة |
| مبيعات روسيا في يناير–فبراير | نحو 15 طنًا |
| خروج حيازات ETF خلال 3 أسابيع | أكثر من 60 طنًا |
| خروج أسبوعي من صناديق الذهب الأمريكية | نحو 4.5 مليارات دولار |
تحليل EcoPulse24
ما حدث للذهب في مارس يكشف أن السوق دخل مرحلة جديدة لا يكفي فيها وجود حرب أو توتر جيوسياسي لضمان صعود المعدن. عندما تتحول البنوك المركزية أو المستثمرون الكبار إلى البيع لتأمين الدولار أو دعم العملات أو جني الأرباح، يصبح الذهب عرضة لضغط سيولة مباشر يطغى مؤقتًا على صفة الملاذ الآمن. وفي هذه الدورة تحديدًا، لعبت تركيا دور “البائع المرئي” الذي أعطى السوق أول خيط واضح لتفسير الانخفاض، بينما أكدت صناديق الاستثمار أن المؤسسات نفسها كانت تقلص الانكشاف على الذهب في الوقت ذاته. النتيجة هي أن هبوط الذهب لم يكن نفيًا للمخاطر، بل تعبيرًا عن انتقال السوق من مرحلة التحوط إلى مرحلة تسييل الأصول. وإذا استمرت قوة الدولار وارتفعت الحاجة إلى التمويل لدى بعض الاقتصادات، فقد يبقى الذهب تحت ضغط حتى مع استمرار التوترات، ما يعني أن العلاقة التقليدية بين الحرب وصعود المعدن لم تعد تعمل وحدها من دون النظر إلى معادلة السيولة العالمية وسلوك البنوك المركزية.
المصادر والمراجع
ملاحظة تحريرية
تنبيه مهم
يرجى الاطلاع على الشروط والأحكام.
© 2025 EcoPulse24. جميع الحقوق محفوظة.